تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مقامات الحريري — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
وقيل : إنه كان صانعا ، فساومه أعرابيّ بخفّين ، وماكسه حتى أخرجه . فلما ارتحل الأعرابيّ ، أخذ حنين إحدى الخفين فوضعها على الطريق ، ثم مشى وألقى الأخرى في موضع آخر على الطريق ، وكمن له ، فلما مرّ الأعرابيّ بالخفّ قال : ما أشبه هذه بخفّ حنين ؛ ولو كان معها الأخرى لأخذتها . فلمّا انتهى إلى الأخرى ، ندم على ترك الأولى ، فأناخ راحلته ، وأخذها ورجع إلى الأولى ؛ فلما غاب عمد حنين إلى راحلته بما عليها فركبها ، ومضى بها ، ورجع الأعرابيّ إلى قومه بخفّين ، فكان إذا سئل عن حاله قال : رجعت بخفّي حنين فصار مثلا . وقيل : كان حنين لصّا حقيرا فأخذ وصلب ، فجاءته أمّه وعليه خفّان فانتزعتهما ورجعت ، فقيل : رجعت بخفّين حنين ، أي رضيت منه بذلك . * * *
فتبصّر ولا تشم كلّ برق * ربّ برق فيه صواعق حين واغضض الطّرف تسترح من غرام * تكتسي فيه ثوب ذلّ وشين فبلاء الفتى اتّباع هوى النّف * س وبذر الهوى طموح عين
قال الراوي : فمزّقت رقعته شذر مذر ، ولم أبل أعذل أم عذر . * * * قوله « تبصر » : أي أحسن النظر . حين : هلاك . والصاعقة : نار ترسل مع الرعد والبرق ، وجمعها صواعق ، وصعق الرجل إذا أصابته ، وصعق إذا مات ، وقيس تقول : صاعقة ، وبنو تميم صاقعة ؛ وقد صقع . غرام : عذاب الحب . شين : عيب . والبذر : زرع الحبّ في الأرض . طموح : ارتفاع يريد أن أصل العشق مداومة النظر ، ألمّ فيه بقول عيسى عليه السلام : « لا يزني فرجك ما غضضت بصرك » ؛ وقد تقدّم : من كثرت لحظاته دامت حسراته . وقال سابق البربريّ في اتباع الهوى : [ الطويل ]
وهجر الهوى للمرء فاعلم سعادة * وطول الهوى رين على القلب رائن فكن دافنا للشّرّ بالخير تسترح * من الشرّ إنّ الخير للشرّ دافن
وقال آخر : [ الطويل ]
إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى * إلى كلّ ما فيه عليك مقال
وقال المتنبي : [ الطويل ]