تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مقامات الحريري — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
وسأل رجل عائشة رضي اللّه عنها ، فقال : يا أمّ المؤمنين ، إن لي داء فهل عندك دواؤه ؟ قالت : وما داؤك ؟ قال : القسوة ، قالت : بئس الدّاء داؤك . عد المرضى ، وأشهد الجنائز ، وتوقّع الموت . وقيل لعليّ رضي اللّه عنه : ما شأنك جاورت المقبرة ! قال : إني أجدهم خير جيران صدق ، يكفّون الألسنة ، ويذكّرون الآخرة . وكانت عجوز في عبد القيس متعبّدة ، فإذا جاء الليل تحزّمت ، ثم قامت إلى المحراب ، فإذا جاء النهار خرجت إلى المقبرة ؛ فعوقبت في إتيان القبور ، فقالت : إن القلب القاسي إذا جفا لم يليّنه إلا رسوم البلى ، وإنّي لآتي القبور ؛ فكأني أنظر وقد خرجوا من بين أطباقها ، وكأني أنظر إلى تلك الوجوه المتعفّرة ، وإلى تلك الأجسام المتغيّرة ، وإلى تلك الأكفان الدّسمة . وقال ميمون بن مهران : خرجت مع عمر بن عبد العزيز إلى المقبرة ؛ فلمّا نظر إلى القوم بكى ، ثم أقبل عليّ فقال : يا ميمون ، هذه قبور آبائي بني أميّة كأنهم لم يشاركوا أهل الدنيا في لذّاتهم وعيشهم ؛ أما تراهم صرعى قد خلت من قبلهم المثلات ، واستحكم فيهم البلى ، وأصابت الهموم في أبدانهم مقيلا ، ثم بكى وقال : واللّه لا أعلم أحدا أنعم ممّن صار إلى هذه القبور وقد أمن من عذاب اللّه . استنشد المتوكل أبا الحسن عليّ بن محمد بن موسى بن جعفر بن عليّ بن الحسين ، فقال : إني لقليل الرّواية في الشعر ، فقال : لا بدّ ، فأنشده : [ البسيط ]
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم * غلب الرجال فلم تنفعهم القلل واستنزلوا بعد عزّ عن معاقلهم * وأودعوا حفرا ، يا بئس ما نزلوا ! ناداهم صارخ من بعد ما دفنوا : * أين الأسرّة والتيجان والحلل ؟ أين الوجوه التي كانت منعّمة * من دونها تضرب الأستار والكلل ! فأفصح القبر عنهم حين سيل بهم : * تلك الوجوه عليها الدّود يقتتل قد طالما أكلوا دهرا وما شربوا * فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا
قال عمر : لو أنشد شعرا في أوصاف آبائه وبني عمّه ملوك بني أميّة وانحطاطهم من عزّ المملكة إلى ذل المقبرة ، لم يكن إلا هذا الشعر . أبو الحسن القلويّ كان قد سعي به إلى المتوكل ، وقيل له إن في بيته سلاحا وكتبا وغير ذلك ، فوجّه إليه بعدّة من الأتراك ، فهجموا عليه على غفلة ممّن في داره ، فوجدوه
هامش
- 100 ، والضحايا باب 39 ، والأشربة باب 40 ، وابن ماجة في الجنائز باب 47 ، وأحمد في المسند 1 / 145 ، 452 ، 3 / 38 ، 63 ، 66 ، 237 ، 250 ، 5 / 350 ، 355 ، 357 ، 359 ، 361 .