تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مقامات الحريري — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
واتّصل الخبر بيزيد ، فكتب إلى عبيد اللّه بن زياد بتوليته الكوفة . فخرج مسرعا ، فدخلها في حشمه وهو ملثّم ، والناس يتوقّعون قدوم الحسين ، فجعل عبيد اللّه بن زياد يسلّم على الناس ، والناس يقولون : وعليك السلام يا ابن رسول اللّه ، قدمت خير مقدم ، حتى انتهى إلى القصر . فحسر اللّثام ، ففتح له النعمان الباب ، وتنادي النّاس : ابن مرجانة ، فحصبوه بالحصباء ، ففاتهم . ووضع الرّصد في طلب مسلم ، فصاح مسلم : يا منصور - وكان شعارهم - فاجتمع له في ساعة واحدة ثمانية عشر ألفا . فأحاطوا بالقصر فقاتلوا ابن زياد ، فلم يمس المساء ومعه مائة رجل . فلما رأى تفرّقهم سار نحو أبواب كندة ، فبلغ الباب ومعه ثلاثة ، فخرج وليس معه أحد ، فبقي حائرا لا يدري أين يتوجّه ، فنزل من على فرسه ، ودخل أحد أزقّة الكوفة ، فانتهى إلى باب مولاة لمحمد بن الأشعث ، فاستسقاها فسقته ، وأعلمها حاله ، فرقّت له ، فآوته وأعلمت محمد بن الأشعث بمكانه ، فمشى إلى ابن زياد ، فأعلمه ، فوجّه معه سبعين رجلا ، فاقتحموا عليه ، فقاتلهم مسلم ، وأمّنه محمد بن الأشعث ، وحمله إلى ابن زياد فضرب عنقه ، وبعث برأسه إلى يزيد بن معاوية ، فصلب جثّته . وانتهى الأمر إلى الحسين ، وقد بلغ القادسيّة ، فهمّ بالرجوع ، فقال له إخوة مسلم : لا نرجع أو نقتل ، أو نأخذ بثأرنا ، فقال الحسين : لا خير في العيش بعدكم ، فسار حتى لقي خيلا لابن زياد ، وعليها عمر بن سعد بن أبي وقّاص ، فعدل إلى كربلاء ، وهو في نحو خمسمائة فارس ، فلما كثرت العساكر أيقن أنّه لا محيص له ، فقال : اللهمّ احكم بيننا وبين قوم دعونا لينصرونا ، ثم هم يقاتلوننا ! ثم خطب قومه فقال : يا عباد اللّه ، اتّقوا اللّه ، وكونوا من الدنيا على حذر ، فإن الدنيا لو بقيت على أحد ، أو بقي عليها أحد ، لكانت الأنبياء أحقّ بها وبالبقاء ، غير أنّ اللّه خلقها للفناء ، فجديدها بال ، ونعيمها مضمحل ، وسرورها مكفهرّ ، والدار قلعة ، والمنزل تلعة « 1 » ؛ فتزوّدوا فإن خير الزاد التقوى ، واتقوا اللّه لعلكم تفلحون . ثم قاتل حتى قتل رضي اللّه عنه وفيه ثلاث وثلاثون طعنة وأربع وثلاثون ضربة ؛ وتولّى قتله سنان بن أنس النّخعيّ ، واحتزّ رأسه ، وانطلق به مسرعا إلى ابن زياد ، وهو يقول : [ الرجز ]
أوقر ركابي فضة وذهبا * إني قتلت الملك المحجّبا * قتلت خير الناس أمّا وأبا *
وبعث معه الرأس إلى يزيد بن معاوية ، وعنده أبو برزة ، فجعل ينكت بالقضيب على فيه ، وهو يقول : [ الطويل ]
هامش
( 1 ) التلعة : مجرى الماء من أعلى بطون الأرض .
شرح مقامات الحريري — صفحة 307 | إبراهيم شمس الدين / أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي