تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مقامات الحريري — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
والسابق لهذا المعنى أبو حفص الشّطرنجيّ ، والناس تبع له حيث قال : [ السريع ]
أشبهك المسك وأشبهته * قائمة في لونه قاعدة لا شكّ - إذ لونكما واحد * أنّكما من طينة واحده
على أنّ العباس بن الأحنف معاصره ، قال : [ الطويل ]
أحبّ النساء السّود من أجل تكتم * ومن أجلها أحببت ما كان أسودا فجئني بمثل المسك أطيب نكهة * وجئني بمثل اللّيل أطيب مرقدا
أخذ بيته الأول من قول ابن الأعرابيّ : [ الوافر ]
أحبّ لحبّها السّودان حتّى * أحبّ لحبّها سود الكلاب
وقال ابن الروميّ في تفضيل السّواد على البياض : [ المنسرح ]
وبعض ما فضّل السّواد به * والحقّ ذو سلّم وذو نفق ألا يعيب السواد حلكته * وقد يعاب البياض بالبهق
وهذه الأقوال كلها على استحسانها اعتذارات واقتدارات من الشعراء على تحسين القبيح ، والأمر المجمع عليه تفضيل البياض . قال الجاحظ : العرب تمدح بالبياض ، وتهجو بالسّواد ، وربما مدحوا بالسّواد ، ولكن أصل ما يبنون عليه أمرهم ذمّه ، وأنشد : [ الوافر ]
لهم ديباجة عرفت قديما * بياض في الوجوه وفي الجلود
وأحسن كشاجم فيما قصد إليه بقوله : [ المديد ]
يا مشبها في فعله لونه * لم تعد ما أوجبت القسمة « 1 » خلقك من خلقك مستخرج * والظلم مشتقّ من الظلمة
قوله : « جبت ما بين فرغانة وغانة » ، وما هنا بمعنى الذي ، كأنه قال : جبت الذي بين فرغانة التي هي أقصى المشرق ، وغانة التي هي أقصى المغرب من البلاد والقفار والبحار لكسب المال ، فما هي التي أوجبت لما بين البلدتين ما ذكر أن يعمّ بالمشي ، ولو سقطت لم يلزم العموم ، وكأنه يشير بهذا التعبير إلى قول حبيب : [ الطويل ]
سلي هل عمرت القفر وهو سباسب * وغادرت ربعي من ركابي سباسبا « 2 » وغرّبت حتى لم أجد ذكر مشرق * وشرقت حتى قد نسبت المغاربا
هامش
( 1 ) البيتان في ديوان كشاجم ص 17 . ( 2 ) البيتان في ديوان أبي تمام ص 17 .