تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مقامات الحريري — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
ينزلها الملك يقال لها كاسان ، وهي مدينة جليلة القدر ، عظيمة الأمر ، وكلّ هذه المدن مضافة إلى عمل سمرقند . وكان أنوشروان بنى فرغانة ، ونقل إليها من كل بيت قوما ، وسمّاها أزهر خانه ، أي من كل بيت .

[ غانة ]

وغانة : بلد من بلاد السودان ، وإليها ينتهي التجار ، والمدخل إليها من سجلماسة ، ومن سجلماسة إليها مسافة ثلاثة أشهر ، ومن غانة إلى سجلماسة شهر ونصف ، ودون ذلك ، وسبب ذلك أن الرّفاق تتجهّز إليها من سجلماسة بالأمتاع والأثقال ، فتباع في غانة بالتّبر ، فمن سافر إليها بثلاثين حملا يرجع منها بثلاثة أحمال ، أو بحملين : واحد لركوبه ، وثان للماء بسبب المفازة التي في طريقها ، حدّثني غير واحد من تجارها أنهم يقطعون المفازة في ستة عشر يوما ، لا يرون فيها ماء إلّا على ظهور الإبل ، فأثمان أحمال الثلاثين جملا يجتمع فيها من التّبر ما يجعل في مزود واحد ، فيطوون المراحل للخفّة . وغانة بلد مملكة السودان ، وانتشر الإسلام في أهلها ، وبها مدارس للعلم ، وبها من تجار المغرب كثير يدخلون التّجارة فيصيبون الخصب والأمن وكثرة المتاجر ، فيشترون بها خدما للتّسرّي ، ويقيمون بها عند أميرها في غاية الكرامة ، والخدم فيها قد جعل اللّه فيهنّ من الخصال الكريمة في خلقهنّ فوق المراد ، من ملاسة الأبدان ، وتفتّق السواد ، وحسن العينين ، واعتدال الأنوف ، وبياض الأسنان ، وطيب الروائح .

[ السواد والبياض ومما قيل فيه شعرا ]

وكان ابن الروميّ وصف واحدة منهنّ بقوله : [ مخلع البسيط ]
تذكرك المسك والغوالي والن * دّ ذوات النّسيم والعبق ليست من العبّس الأكف ولا ال * فلج الشّفاه الخبائث العرق أكسبها الحبّ أنها صبغت * صبغة حبّ القلوب والحدق يفتّر ذاك السّواد عن يقق * من ثغرها كالّئالئ النّسق كأنّها والمزاح يضحكها * ليل تعرّى دجاه عن فلق لها حر يستعير وقدته * من قلب صبّ وصدر ذي حنق يزداد ضيقا على المراس كما * تزداد ضيقا أنشوطة الوهق غصن من الآبنوس ركّب في * مؤزّر معجب ومنتطق
وقال الشّريف الرضيّ : [ الطويل ]
أحبّك يا لون السّواد فإنّني * رأيتك في العينين والقلب توأما « 1 »
هامش
( 1 ) الأبيات في ديوانه الشريف الرضي ص 755 .