استمطرت وطلبت سقياه . والأسكوب : المطر الكثير . باريها : صانعها ، وكل هذه أمثال ، ويريد : أنا أهل لكلّ ما طلبت .
وأوّل من قال : أعط القوس باريها الحطيئة ، وذلك أنه دخل على سعيد بن العاص وهو يقري النّاس ، فأكل أكلا جافيا ، وخرج الناس ، فأقام ، وأتاه الحاجب ليخرجه فامتنع ، وقال : أترغب بهم عن مجالستي ! إنّي بنفسي عنهم لأرغب ! فقال له سعيد :
دعه . ثم تذاكروا الشعر والشعراء ، فقال لهم الحطيئة : واللّه ما أصبتم جيّد الشّعر ولا شاعر العرب ، ولو أعطيتم القوس باريها ، وقعتم على ما تريدون ، فقال له سعيد : فمن أشعر العرب ؟ قال : الذي يقول : [ الخفيف ]
لا أعدّ الإقتار عدما ولكن * فقد من قد رزئته الإعدام « 1 »
إلى آخر القصيدة . قال : فمن قائلها ؟ قال : أبو دؤاد الإياديّ ، قال : ثم من ؟ قال :
واللّه لحسبك بي رهبة أو رغبة ؛ أنا إذا رفعت إحدى رجليّ على الأخرى ، وعويت في إثر القوافي كما يعوي الفصيل الصادي إثر أمّه ؛ قال : [ من أنت ؟ قال : ] الحطيئة ، قال : حيّاك اللّه يا أبا مليكة ، ألا أعلمتنا بمكانك ، ولم تحملنا على الجهل بك ، فنضيع حقّك ونبخسك قسطك ! وأدناه ووصله .
وقال الشاعر : [ البسيط ]
يا باري القوس بريا ليس يحسنه * لا تظلم القوس واعط القوس باريها « 2 »
ريث : مقدار وبطء . استجمّ : استكثر . قريحته : طبيعته ، والقريحة في الأصل أوّل ماء البئر النابع ، واستجمّها : تركها حتى تكثر . استدرّ : استنزل درّها وهو لبنها . واللّقحة :
الناقة ذات اللبن ؛ يريد : أقام قليلا يفكّر ويختار ما يقول : ومثل هذه الحالة ذكروا أن صديقا لكلثوم العتابيّ أتاه يوما ، فقال له : اصنع لي رسالة ، فاستمد مدّة ، ثم علّق القلم ، فقال له صاحبه : ما أرى بلاغتك إلّا شاردة عنك ، فقال له العتّابيّ : إني لمّا تناولت القلم تداعت عليّ المعاني من كلّ جهة ، فأحببت أن أترك كلّ معنى حتى يرجع إلى موضعه ، وهذا مثل قول امرئ القيس - ويقال إنه قالها وهو ابن عشر سنين : [ المتقارب ]
أذود القوافي عنّي ذيادا * ذياد غلام غويّ جوادا « 3 »
هامش
( 1 ) البيت لأبي دؤاد الإيادي في ديوانه ص 338 ، والأصمعيات ص 187 ، والأغاني 2 / 139 ، 16 / 199 ، 17 / 155 ، وتخليص الشواهد ص 431 ، وخزانة الأدب 8 / 125 ، 9 / 590 ، 591 ، والدرر 2 / 238 ، والشعر والشعراء 1 / 244 ، والمؤتلف والمختلف ص 115 ، والمقاصد النحوية 2 / 391 ، وبلا نسبة في همع الهوامع 1 / 148 .
( 2 ) البيت للحطيئة في شرح شواهد الشافية ص 411 ، وليس في ديوانه ، وبلا نسبة في خزانة الأدب 8 / 349 ، 350 .
( 3 ) الأبيات لامرئ القيس في ديوانه ص 248 ، ولسان العرب ( مرج ) ، والتنبيه والإيضاح 1 / 219 .