ما وهم فيه علىّ الأحمر وهو علىّ بن الحسن ، يكنى أبا الحسن « 1 »
أخبرني محمد بن عبد الواحد ، قال : ذكر حماد بن إسحاق الموصلىّ ، [ 82 ب ] عن أبيه ، قال :
هامش
( 1 ) - هو علي بن الحسن ، وقيل ابن المبارك ، وبه جزم الخطيب ، المعروف بالأحمر شيخ العربية وصاحب الكسائي . قال الخطيب : أحد من اشتهر بالتقدم في النحو واتساع الحفظ . وقال ياقوت : كان رجلا من الجند من رجال النوبة على باب الرشيد ، وكان يحب العربية ، ولا يقدر يجالس الكسائي إلا في أيام غير نوبته ، وكان يرصده في طريقه إلى الرشيد كل يوم ، فإذا أقبل تلقاه وأخذ بركابه وما شاه ، وسأله المسألة بعد المسألة إلى أن يبلغ الكسائي إلى الستر ، فيرجع الأحمر إلى مكانه ، فإذا خرج الكسائي فعل به ذلك حتى قوى وتمكن ، وكان فطنا حريصا ، فلما أصاب الكسائي الوضح ، كره الرشيد ملازمة أولاده ، فأمر أن يختار لهم من ينوب عنه ممن يرضاه ، وقال إنك كبرت ولسنا نقطع راتبك ، فدافعهم خوفا أن يأتيهم برجل يغلب على موضعه ، إلى أن ضيق الأمر عليه وشدد ، وقيل له : إن لم تأت برجل من أصحابك اخترنا نحن لهم من يصلح .
وكان بلغه أن سيبويه يريد الشخوص إلى بغداد والأخفش ، فقلق لذلك ، وعزم على أن يدخل عليهم من لا يخشى غائلته ، فقال للأحمر : هل فيك خير ؟ قال : نعم . قال : قد عزمت على أن أستخلفك على أولاد الرشيد ، فقال الأحمر : لعلى لا أفي بما يحتاجون إليه ، فقال الكسائي : إنما يحتاجون كل يوم إلى مسألتين في النحو وبيتين من معاني الشعر وأحرف من اللغة ، وأنا ألقنك كل يوم قبل أن تأتيهم فتحفظه وتعلمهم ، فقال :
نعم ، فقال لهم : قد وجدت من أرضاه ، وإنما أخرت ذلك حتى وجدته ، وسماه لهم ، فقالوا له : إنما اخترت رجلا من رجال النوبة ، ولم تأت بأحد متقدم في العلم ، فقال : ما أعرف في أصحابي أحدا مثله في الفهم والصيانة ، ولست أرضى لكم غيره .
فأدخل الأحمر إلى الدار ، وفرش له البيت الذي يعلم فيه بفراش حسن ، وكان الخلفاء إذا أدخلوا مؤدبا إلى أولادهم فجلس أول يوم ، أمروا بعد قيامه بحمل كل ما في المجلس إلى منزله ، فلما أراد الأحمر الانصراف دعى له بحمالين ، فقال الأحمر : واللّه ما يسع بيتي هذا وما لنا إلا غرفة ضيقة ، وإنما يصلح هذا لمن له دار وأهل ، فأمر بشراء دار له وجارية وغلام ودابة ، وأقيم له راتب ، فجعل يختلف إلى الكسائي كل عشية فبتلقن ما يحتاج فيه أولاد الرشيد ويغدو عليهم فيلقنهم ، ويأتيهم الكسائي في الشهر مرة ، ومرتين ، فيعرضون عليه بحضرة الرشيد ما علمهم الأحمر فيرضاه ، فلم يزل الأحمر كذلك حتى صار نحويا ، وجلت حاله وعرف بالأدب ، حتى قدم على سائر أصحاب الكسائي ، فقال ثعلب : كان الأحمر يحفظ أربعين ألف شاهد في النحو ، وكان مقدما على أفراد في حياة الكسائي ، وأملى الأحمر شواهد النحو ، فأراد الفراء أن يتمها فلم يجتمع له الناس كما اجتمعوا للأحمر ، فقطع . . . وقال محمد بن الجهم : كنا نأتى الأحمر فندخل قصرا من قصور الملوك فيه فرش الشتاء في وقته ، وفرش الصيف في وقته ، ويخرج علينا ، وعليه ثياب الملوك ينفح منها رائحة المسك والبخور ، -