ومثل هذه المغالطة ، ما حدثني به أبو الفضل بن الكوّاز ، أخبرنا المبرّد ، عن الرّياشىّ ، عن الأصمعىّ ، قال : قال أبو عمر لأبى خيرة العدوىّ :
كيف تقول : حفرت الإران ؟ فقال : حفرت إرانا ، فقال له أبو عمر : لان جلدك يا أبا خيرة حين تحفّرت . قال الرّياشىّ : إنما قال له أبو عمر هذا لأنه أخطأ ، لأن الحفرة يقال لها : إرة « 1 » ، وتجمع على إرين ، وهي التي يخبز فيها ، وأما الإران فخشب النّعش ، قال : الأعشى
أثّرت في جناجن كإران الميت عولين فوق عوج ثقال « 2 »
وهذا مثل ما حدثني به محمد بن يحيى ، عن الأزدىّ ، عن أحمد بن الهيثم ، عن الأصمعىّ : سمعت أبا عمر يقول ارتبت بفصاحة أعرابىّ ، فأردت امتحانه ، فقلت بيتا وألقيته عليه ، وهو :
كم رأينا من ( مسحب ) مسلحب * صاد لحم النّسور والعقبان
فأفكر فيه ثم قال : ردّ علىّ ذكر ( المسحوب ) ، حتى قالها مرّات ، فعلمت أنّ فصاحته باقية « 3 » .
هامش
( 1 ) - الإرة كعدة : النار أو موضعها ، أو استعارها وشدتها ، والقديد والمعتقر والمعالج ولحم يغلى بخل إغلاء ، فيحمل في السفر ، وأصله إرى ، والهاء عوض عن التاء .
( 2 ) - البيت من قصيدة مطلعها :ما بكاء الكبير بالأطلال * وسؤالي فهل ترد سؤاليوالجناجن : عظام الصدر ، وقيل : رؤوس الأضلاع ، يكون ذلك للناس وغيرهم . قال الأسعر الجعفي :لكن قعيدة بيتنا مجفوة * باد جناجن صدرها ولها غناواحدها جنجن وجنجن بفتح الجيم الأولى وكسرها . قال ابن منظور وحكاه الفارسي بالهاء وغير الهاء جنجن وجنجنة . قال الجوهري : وقد يفتح ، قال رؤبة : * ومن عجاريهن كل جنجن * وقيل : واحدها جنجون ، وقيل : الجناجن : أطراف الأضلاع مما يلي قص الصدر وعظم الصلب .
( 3 ) - وجه المغالطة في هذا الخبر في صوغ مسحب اسم مفعول من سحب ، وهو خطأ ، فإن اسم المفعول منه مسحوب لا مسحب . والسحب : جرك الشئ على وجه الأرض كالثوب وغيره ، سحبه يسحبه سحبا فانسحب وهو مسحوب . وأما المسلحب فهو من لحب إذا مر مرا مستقيما ، ولحب الطريق يلحب لحوبا :
وضح كأنه قشر الأرض . وهذا البيت يصلح أن يكون في صفة كلاب الصيد المعلمة التي يصاد بها ، وهو من وضع الأصمعي .