[ 55 ب ] قال أبو زيد : هذا تصحيف ، لأن المتأوّب لا يكون مغلّسا في حال واحدة ، لأن غلّس ، إنما هو أتى في آخر اللّيل . وتأوّب : جاء في آخر النهار .
وإنما هو : فعلّسا ، أي اشتدّ وبرّح .
قال الشيخ : وأنا أظنّ أن أبا زيد الغالط في هذا ، لا أبا عمرو ، لجهات :
إحداها : إجماع رواة الكوفيين والبصريّين على الغين المعجمة ، وأخرى أن بكّر وغلّس ليس هو أتى أوّل الغداة ، وقد يقال في كلّ ما تقدّم عن وقته : بكّر ، حتى قالوا : بكّر البرد ، وبكّر الحرّ . وسمّى ما يتقدم من الفواكه باكورة .
وفي حديث النبىّ صلى اللّه عليه وسلم : « من بكّر وابتكر » « 1 » ، ولم يرد من أتى الجمعة بكرة ، وإنما أراد من تقدّم الوقت . وقال امرؤ القيس : تأوّبنى دائى ، فتقدّم الوقت الذي كان يتأوّبنى فيه .
أخبرنا ابن دريد ، أخبرنا عمرو أخو هلال الرّأى « 2 » ، قال : جاء رجل إلى أبى زيد ، فسأله عن مسألة من النّحو ، فأجابه فقال : إنّ سيبويه لا يرضى بهذا .
فقال : اسكت يا صبىّ ، لقد جلست هذا المجلس قبل أن يولد سيبويه بثلاثين سنة .
[ 56 ا ] قال الشيخ : وهذا جواب غير مرضىّ ، وكان يجب أن يتصرّف مع الحجّة ، لا مع كبر السّنّ « 3 » .
هامش
( 1 ) - نص الحديث في رواية الترمذي : « من اغتسل يوم الجمعة وغسل وبكر وابتكر ، ودنا واستمع وأنصت ، كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة صيامها وقيامها » . قال محمود ، قال وكيع : اغتسل هو وغسل امرأته . وروى من غسل واغتسل : أي غسل رأسه واغتسل .
( 2 ) - هلال الرأي : فقيه من أعيان الحنفية أصحاب أبي حنيفة ومن أئمتهم ، وأصحاب الرأي ، هم أصحاب القياس ، لأنهم يقولون بالرأي فيما لم يجدوا فيه حديثا أو أثرا ، والحنفية هم القائلون بالقياس ، ولذلك نسبوا إليه .
( 3 ) - ليس في هذا الخبر شيء من التصحيف أو التحريف ، وإنما هو نقد خلقي وعيب على أبى زيد لطريقته في الإجابة على المسائل .