وسمع راوية جرير ينشد قصيدته البائيّة « 1 » ، فلما قال :
* بها برص بأسفل إسكتيها *
وضع يده على عنقه ، وأنشد :
* كعنفقة الفرزدق حين شابا *
فقال : علمت أنه يقول هكذا ، فإنّ شيطاننا في الشّعر واحد .
ومرّ يوما بقوم فدعوه للنزول ، فقال : لما ذا ؟ قالوا : لنبيذ ، وجدى حنيذ ، وغناء لذيذ ؛ فقال : وهل يأبى هذا إلا ابن المراغة ! يعنى جريرا ، ثم نزل .
واستسقى الحكم بن المنذر ذات يوم لبنا ، فأمر غلامه أن يجعل في القعب خمرا ، ويحلب عليه لبنا ويسقيه ، فلما كرع ، جعل الخمر ينبع من تحت اللبن فشرب ، وقال : بأبى أنت ! إنك ممن تخفى الصدقات وتؤتيها الفقراء .
وقال : ما أفحمنى أحد إلا نبطىّ من أهل تيرى ، قال لي : أنت الفرزدق الشاعر ؟ قلت : نعم ، قال : إن هجوتنى تموت زوجتي عيشونة ؟ قلت : لا ، قال : فتموت حمارتى ؟ قلت : لا ، قال : فمن رجلي إلى عنقي في رحم أمّك ! قلت : ويلك ! فلم تركت رأسك ؟ قال : حتى أنظر ما تصنع !
وكان الفرزدق يقول : لقد استراح النّبطىّ من حيث تعب الكرام .
ومن محاسن شعره قوله :
تصرّم منّى ودّ بكر بن وائل * وما خلت باقي ودّها يتصرّم « 2 »
قوارص تأتيني ويحتقرونها * وقد يملأ القطر الإناء فيفعم
هامش
( 1 ) يهجو فيها الراعي النميري ، مطلعها :أقلّى اللّوم عاذل والعتابا * وقولي إن أصبت لقد أصاباديوانه 64 - 80 .
( 2 ) ديوانه 756 .