لئلّا يرغب فيه أهل الشام ، فقال الفرزدق - وكان حاضرا - : لكنّى : أنا أعرفه ، فقيل له : من هو ؟ فأنشد يقول :
هذا ابن خير عباد اللّه كلّهم * هذا التقىّ النقىّ الطّاهر العلم « 1 »
هذا الّذى تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحلّ والحرم « 2 »
يكاد يمسكه عرفان راحته * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم « 3 »
فغضب هشام ، وأمر بحبس الفرزدق بعسفان ، وفي ذلك يقول :
أيحبسني بين المدينة والّتى * إليها رقاب النّاس يهوى منيبها « 4 »
يقلّب رأسا لم يكن رأس سيّد * وعينا له حولاء باد عيوبها
وبعض الرواة يروى الأبيات الميمية لأبى الطمحان القينىّ . والذي يرويها للفرزدق يستدلّ لها بحبسه ، وقوله هذه الأبيات .
ومات الفرزدق بالبادية سنة مائة وعشر .
ومن أخباره المستطرفة : دخل يوما على بلال بن أبي بردة ، وهو أمير على البصرة ، وعنده أصحابه ، فنقصوا بنى تميم ، ورفعوا اليمن ، فقال الفرزدق :
لو لم يكن لليمن إلا أبو موسى وما تولّاه من خدمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لكفاهم ، فقال بلال : إنّ فضائله كثيرة ، فما أردت منها ؟ فقال : حجامته إيّاه ، فقال : صدقت ، قد فعل ذلك ؛ وما فعله بأحد قبله ولا بعده ، فقال الفرزدق :
الشّيخ كان أتقى اللّه من أن يقدم على نبيّه بغير حذق ، فيجرّب عليه ! فأمسك
هامش
( 1 ) ديوانه 848 .
( 2 ) البطحاء : أرض مكة المنبضحة . والحل ، بالكسر : خارج المواقيت من البلاد ، والحرم : ما بين المواقيت المعروفة ؛ وأراد بهما أهل الحل والحرم .
( 3 ) الحطيم : الجدار الذي عليه ميزاب الكعبة ، ونصب « عرفان » على أن مفعول له ، أي يكاد يمسكة ركن الحطيم لأنه عرف راحته ، ويستلم بمعنى يلمس الحجر الأسود . وقد ذكر أبو تمام في ( الحماسة - بشرح التبريزي 4 : 167 - 169 ؛ الأبيات منسوبة إلى الحزين الليثي . وانظر تفصيل الخبر وتحقيق نسبة الأبيات في الأغانى ( 14 : 74 - 77 ) .
( 4 ) ديوانه 51 .