وكان الجاحظ بشع المنظر ، إلّا أن بيانه كان يجلّى عنه . وقال : دخلت ديوان المكاتبات ببغداد ، فرأيت قوما قد صقلوا ثيابهم ، وصفّوا عمائمهم ، وسوّوا طررهم « 1 » ، ثم اختبرتهم فوجدتهم كما قال اللّه تعالى :
فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً
« 2 » ، ظواهر نظيفة ، وبواطن سخيفة :
فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ
« 3 » .
وقال : وقفت يوما على قاصّ ، فأردت الولع به ، فقلت لمن حوله : إنّه رجل صالح لا يجب الشّهرة ، فتفرّقوا عنه ، فنظر إلىّ وقال : حسبك اللّه !
وقال : قلت يوما لعبيد الكلابىّ : أيسرّك أن تكون هجينا ولك ألف دينار ؟ قال : لا أحبّ اللّؤم بشئ ، قلت : فإنّ أمير المؤمنين ابن أمة ، قال :
أخزى اللّه من أطاعه : قلت : نبيّا اللّه : محمد وإسماعيل كانا ابني أمة ، قال :
لا يقول هذا إلا قدرىّ ، قلت : وما القدرىّ ؟ قال : لا أدرى إلا أنه رجل سوء .
وقال : أتاني بعض الثّقلاء ، فقال : سمعت أن لك ألف جواب مسكت ، فعلّمنى منها ، فقلت : [ إنّها لا تتعلّم ، فإن الجواب على قدر الكلام ، فقال : على كلّ حال ] « 4 » فقلت : نعم ، فقال : إذا قال لي شخص : يا زوج القحبة ، يا ثقيل ، أيش « 5 » أقول له ؟ قلت : قل له : صدقت .
وقال : أنشدت أبا شعيب القلّال شعرا لأبى نواس ، وهو :
ودار ندامى عطّلوها وأدلجوا * بها أثر منهم جديد ودارس
مساحب من جرّ الزّقان على الثّرى * وأضغاث ريحان : جنىّ ويابس « 6 »
هامش
( 1 ) ط : « ووشوا طروزهم » .
( 2 ) سورة الرعد 17
( 3 ) سورة البقرة 79 .
( 4 ) من ت .
( 5 ) ط : « أي شيء » .
( 6 ) ديوانه 295 ، أمالي المرتضى 1 : 198 ، الكامل - بشرح المرصفي 7 : 4 .