واستخلاف أحد بنيه ، فقدم الحجّاج فأجلسه على السّرير إلى جانبه ، وأظهر إكرامه وبرّه ، وقال : يا أهل العراق ، أنتم عبيد عتقاء المهلّب ، ثم قال : أنت واللّه كما قال لقيط الإيادىّ :
وقلّدوا أمركم للّه درّكم * رحب الذّراع بأمر الحق مضطلعا « 1 »
لا يطعم النّوم إلّا ريث يبعثه * همّ يكاد حشاه يقصم الضّلعا
حتى استمرّ على شزر مريرته * مستحكم الرّأى لا قحما ولا ضرعا « 2 »
فقام رجل وقال : أصلح اللّه الأمير ! واللّه لكأني أسمع قطريّا وهو يقول :
المهلّب ، كما قال لقيط . ثم أنشد هذا الشعر . فسرّ الحجّاج حتى ظهر عليه « 3 » .
وسئل المهلّب : ما أعجب ما رأيت من قتال الأزارقة ؟ قال : رأيت رجلا منهم يطعنه الرجل فيمشى في الرمح إلى طاعنه ليضربه « 4 » ، وهو يقول :
وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى
« 5 » .
وكانت مدّة إقامة المهلب على قتال الخوارج ومصابرته لهم تسع عشرة سنة ، إلى أن فتح اللّه على يديه ، وطهّر منهم الأرض ، ومات سنة ثلاث وثمانين للهجرة « 6 »
ومن أخباره المستحسنة أنه أقبل يوما من بعض غزواته ، فتلقّته امرأة فقالت له : أيّها الأمير ، إنّى نذرت إن أقملت سالما أن أصوم يوما « 7 » ، وتهب
هامش
( 1 ) مختارات ابن الشجري 5 ومضطلعا ؛ أي شديدا .
( 2 ) قوله : « على شزر مريرته » ؛ مثل ؛ يقال : شزرت الحبل ؛ إذا كررت فتله بعد استحكامه راجعا عليه ، والمريرة : الحبل . والضرع : الصغير الضعيف . والقحم : آخر سن الشيخ .
( 3 ) انظر أخبار المهلب مع الأزارقة ، في الكامل للمبرد منثرة في الجزء الثالث ما بين صفحتى 310 و 408 .
( 4 ) كذا في ت ، وفي ط : « وينال منه » .
( 5 ) سورة طه 84 .
( 6 ) ط : « ومات على فراشه » .
( 7 ) ط : « شهرا » .