طلعت ، فاحضروا للغداء ، وإذا غربت فاحضروا للعشاء ، فكانوا يفعلون ذلك .
واستقلّ الناس يوما ، فقال : ما بال الناس قد قلّوا ! فقام رجل وقال : يا أيّها الأمير ؛ إنك أغنيت النّاس في بيوتهم عن الحضور إلى مائدتك ؛ فأعجبه ذلك ، وقال : اجلس ، بارك اللّه عليك !
وأما دهاؤه ، فحكى عبد اللّه بن ظبيان ، قاتل مصعب بن الزبير ، قال :
كنت يوما واقفا على باب الحجاج ، فإذا به قد خرج وحده - وكانت القائلة ، وما بالباب أحد - فوقع في نفسي أن أقتله ، فنظر إلىّ ، فقال : هل لقيت يزيد ابن أبي أسلم ؟ يعنى كاتبه ، قلت : لا ، قال : القه ؛ فإنّ عهدك على الرّىّ معه ؛ فطمعت وكففت عنه ، وتوجّهت إلى يزيد ، فلم يكن معه « 1 » عهد ولا شيء من ذلك ، وإنما قال الحجّاج ذلك حذرا وشغلا « 2 » لي عمّا أردته به .
وبنى هو وعبد الملك في بعض المساجد بابين ، فوقعت صاعقة فأحرقت باب عبد الملك ، فداخله حسد للحجّاج ، فكتب إليه الحجّاج : إنّما مثل أمير المؤمنين ومثلي كمثل ابني آدم
إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ
« 3 » .
ودخل يوما على عبد الملك فدعاه للشراب « 4 » ، فقال : يا أمير المؤمنين ، اعفني ؛ فإنّى أنهى أهل عملي عنه ، وأكره أن أحالف قول العبد الصالح :
وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ
« 5 » ، فقال عبد الملك : إنّه نبيذ الرّمّان ، يشهّى الطعام ، ويزيد في الباه ؛ فقال الحجّاج : أما كونه يشهّى الطعام ، فو اللّه لوددت
هامش
( 1 ) ط : « عنده » .
( 2 ) ت ، د : « إشغالا » .
( 3 ) سورة المائدة 27 .
( 4 ) ط : « فدعا بالشراب » .
( 5 ) سورة هود 88 .