فقال : إن كنت عبدت ربّى ثمانين سنة ، ثم أشهد « 1 » على نفسي بالكفر ، لبئس العبد أنا ! واللّه ما بقي من عمرى إلا ظمء حمار « 2 » ، وإنني أنتظر الموت صباحا ومساء ؛ فأمر به فضرب عنقه ، وقدّم بعده شيخ آخر ، فقال الحجّاج : ما أظنّ الشيخ يشهد على نفسه بالكفر ! فقال : يا حجّاج ، أتخادعني أنت عن نفسي ! أنا أعرف بها منك ، وإنّى لأكفر من فرعون وهامان ! فضحك الحجّاج وخلّى سبيله
وكان في الحجّاج خلال امتاز بها في وقته « 3 » : الكرم ، والدهاء ، والجور ، وحلم [ نادر ] « 4 » في بعض الأوقات ، والفصاحة .
فأما كرمه ، فحكى أنه لما دخل المدينة ، فرّق في أهلها عشرة آلاف دينار ثم قال : أتيناكم وقد غاض الماء لكثرة النوائب ، فاعذرونا . فقال رجل :
لا عذر اللّه من يعذرك ! وأنت أمير المصرين ، وابن « 5 » عظيم القريتين ! فقال :
صدقت ، واقترض أموال من هناك من التّجّار ، فكان شيئا عظيما [ وفرّقها ] « 6 » .
ولما ولى العراق كان يطعم في كلّ يوم على ألف مائدة ، يجتمع على كلّ مائدة عشرة أنفس ، ويطاف به في محفّة على أيدي الرّجال ، يشرف على القوم ويقول :
يا أهل الشام ، اهشموا الخبز لئلّا يعاد عليكم .
وقيل : كان فعله هذا خصيصا بأهل الشام ، وكان يرسل الرّسل إلى النّاس لحضور الطعام ، فكثر عليه ذلك ، فقال : أيّها الناس ، رسلي إليكم الشمس ، إذا
هامش
( 1 ) ت : « شهدت » .
( 2 ) الظمء : ما بين الشربين والوردين ، قالوا : ليس شيء من الدواب أقصر ظمأ من الحمار . وقولهم : ما بقي منه إلا قدر ظمء الحمار ؛ أي لم يبق من عمره إلا شيء يسير .
( 3 ) ط : « عن أبناء وقته » .
( 4 ) تكملة من ت .
( 5 ) ط : « وأنت » .
( 6 ) تكملة من د ، ت .