وقال أبو عمرو بن العلاء : كنت أقرأ :
إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ
« 1 » بالفتح ، وبلغ الحجّاج - وكان يقرأ بالضّمّ - فطلبني فهربت إلى واد بصنعاء ، فأقمت زمانا ، فسمعت أعرابيّا يقول لآخر : قد مات الحجّاج ، فقال الأعرابىّ :
ربّما تجزع النّفوس من الأمر له فرجة كحلّ العقال « 2 »
فلم أدر بأىّ شيء كنت أشدّ فرحا ، أبموت الحجّاج ، أم بسماع البيت أستشهد به على القراءة !
وحكى بعض القرّاء ، قال : قرأ الحجّاج في سورة هود :
إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ
« 3 » ، فلم يدر أن يقول : « عمل » أم « عمل » ! فقال : ائتوني بقارئ ، فأتوا بي وقد قام من مجلسه ، فحبست ونسيني الحجّاج حتى عرض السّجن بعد ستة أشهر ، فلما انتهى إلىّ قال : فيم حبست ؟ فقلت : في ابن نوح ، أصلح اللّه الأمير ! فضحك وأطلقنى .
وحكى أنه أراد سفرا فصعد إلى المنبر ، فقال : إنّى قد عزمت على السفر ، وخلّفت عليكم ابني محمدا ، وأوصيته خلاف ما أوصى به العبد الصالح : ألّا يتقبل من محسنكم ، ولا يتجاوز عن مسيئكم . ألا وإنّى أعلم أنكم تقولون : لا أحسن اللّه له الصحابة ! ألا وإنّى معجّل لكم الصواب بالجواب ، فأقول : لا أحسن اللّه عليكم الخلافة !
وحدّث رجل ، قال : هربت من الحجاج حتى مررت بقرية ، فأجد كلبا نائما في ظلّ جبّ ، فقلت في نفسي : ليتني كنت هذا الكلب ، وكنت مستريحا من خوف الحجّاج ! ومررت ثم عدت من ساعتي ، فأجد الكلب
هامش
( 1 ) سورة البقرة 249 .
( 2 ) لأمية بن أبي الصلت ، اللسان ( فرج ) ، وقبله :
لا تضيقنّ في الأمور فقد تكشف غمّاؤها بغير احتيال
( 3 ) سورة هود 22 .