أيامى ، والولدان يتامى ؛ واللّه لكأنّى أنظر إلى الدّماء تترقرق بين اللّحى والغلاصم « 1 » .
فلمّا سمع أهل الكوفة هذه الخطبة ، وكان بعضهم قد أخذ حصا أراد يحصب به الحجّاج ، فتساقط من أيديهم خوفا ورعبا ، « 2 » وثبتت مهابته في قلوبهم ، وتحكّم حينئذ في رقابهم « 2 » .
وكان القاسم بن سلّام ، يقول : قاتل اللّه أهل الكوفة ! أين قبائلهم وعشائرهم وأهل الأنفة منهم ! وأين تجبّرهم ! قتلوا عليّا ، وطعنوا الحسين ، وقاتلوا المختار ، وعجزوا عن قتل هذا الملعون الدّميم الصّورة ، وقد جاءهم في اثنى عشر راكبا وهم في مائة ألف ! ولكن ظهر تصديق أمير المؤمنين علىّ بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه في قوله : « اللّهم سلّط عليهم الغلام الثّقفىّ » .
ثم أقام الحجّاج بالعراق يرهب ويفتك ، حتى استوثقت له الأمور . ثم خرج عليه عبد الرحمن بن الأشعث بأهل العراق ، فأمدّه عبد الملك بأهل الشّام ، فكانوا شيعته ، فاستمرّت بينه وبين ابن الأشعث الوقائع حتى هزمه الحجّاج بدير الجماجم بعد ثمانين وقعة ، في ستة أشهر . وكان مع ابن الأشعث أكثر من مائة ألف « 3 » ، فلما هزموا قال الحجّاج : لأصحابه : اتركوهم فليتبدّدوا ولا تتّبعوهم ، ثم نادى مناديه : من رجع فهو آمن .
ودخل الكوفة ، وجاء النّاس من المنهزمين يبايعونه ، فكان يقول لمن جاء يبايعه : اشهد على نفسك بالكفر ، وبخروجك عن الجماعة ، ثم تب ؛ فإن شهد وإلّا قتله . فأتاه رجل من خثعم ، فقال : اشهد على نفسك بالكفر ،
هامش
( 1 ) الغلاصم : جمع غلصمة ؛ وهي رأس الحلقوم .
( 2 - 2 ) ت : « وأخاف القوم ، وأثبت المهابة في قلوبهم ، وتحكم في رقابهم » .
( 3 ) ط : « مائتي ألف » .