و ؟ عيناه عليه حتّى أحبّه وشغف به ، وملأ عليه نفسه من أقطارها ، وكأنّ المتنبي كان ينشد بلسانه حينما لقى ابن العميد :
من مبلغ الأعراب أنّى بعدها * شاهدت رسطاليس والإسكندرا
ومللت نحر عشارها فأضافنى * من ينحر البدر النّضار لمن قرى
وسمعت بطليموس دارس كتبه * متملّكا متبدّيا متحضّرا
ولقيت كلّ الفاضلين كأنّما * ردّ الإله نفوسهم والأعصرا
نسقوا لنا نسق الحساب مقدّما * وأتى فذلك إذ أتيت مؤخّرا
وفي حماة ، وبجانب مليكها العظيم ، عاش ابن نباتة أسعد أيام حياته ، وأهنأ مراحل عيشه ؛ وفيها تفتّقت قريحته عن أروع شعره وأخلده على الأيّام ؛ بل فيها نسي نيله ومصره ، وأهله ووطنه :
ألم تر أنّا قد سلونا بأرضه * مرادا لنا في أرض مصر ومربعا
إذا ابن تقىّ الدّين جاد نباته * علينا فلا مدّت يد اللّيل إصبعا
ورتّب له في كل شهر ألف درهم ، غير ما كان يتحفه وهو مقيم بدمشق « 1 » .
وبروحه أنشأ أجمل الرسائل وأحلاها ، وسجع بأعذب الألفاظ وأبهاها ، وفي كنفه ألّف كتاب « مطلع الفوائد » ، وثنّاه ب « سجع المطوّق » ، وعمل له كتاب « الفاضل من كلام القاضي الفاضل » ، وجمع من مدائحه فيه طاقة من الشعر سمّيت ب « المؤيّديّات » ما زالت على الزمن ينفح عرفها ، ويتضوّع شذاها ، يقول في إحداها :
ملك باهر المكارم يروى * وجه لقياه عن عطاء وبشر « 2 »
زرت أبوابه فقرّب شخصي * ومحا عسرتى وتوه ذكرى
هامش
( 1 ) ثمرات الأوراق 48 .
( 2 ) ديوانه 184 .