وهكذا عاش ابن نباتة بلبلا يغرّد في روضة أبى الفدا ؛ وينال من أعطياته ما لم ينله النّواسىّ من الرّشيد ، والمتنبي من سيف بنى حمدان .
وفي سنة 732 مات الملك المؤيّد ، وبموته امّحت صحيفة مشرقة من حياته وطوى بساط أخضر من عيشه ، إلّا أنّ صلته بملوك حماة لم تنقطع بموته ، فلم يلبث أن تولّى الملك الأفضل بعد أبيه ، فسار إليه ، وأنشده قصيدته المشهورة ، هنّأه فيها بالملك ، وعزّاه في أبيه الراحل :
هناء محا ذاك العزاء المقدّما * فما عبس المحزون حتّى تبسّما « 1 »
ثغور ابتسام في ثغور مدامع * شبيهان لا يمتاز ذو السّبق منهما
نردّ مجارى الدّمع والبشر واضح * كوابل غيث في ضحى الشمس قد همى
سقى الغيث عنّا تربة الملك الّذى * عهدنا سجاياه أبرّ وأكرما
ودامت يد النّعمى على الملك الّذى * تدانت له الدّنيا وعزّ به الحمى
مليكان هذا قد هوى بضريحه * برغمى وهذا للأسرّة قد سما
ودوحة ملك شادوىّ تكافأت * فغصن ذوى منها وآخر قد نما
فقدنا لأعناق البرّية مالكا * وشمنا لأنواع الجميل متمّما
إذا الأفضل الملك اعتبرت مقامه * وجدت زمان الملك قد عاد مثلما
أعاد معاني البيت حتى حسبته * بوزن الثنا والحمد بيتا منظّما
وناداه ملك قد تقادم إرثه * فقام كما ترضى العلا وتقدّما
تقابل منه مقلة الدهر سؤددا * صميما وتنضو الرّأى عصبا مصمّما
ويقسم فينا كلّ سهم من الندى * ويبعث للأعداء في الروع أسهما
وجرى الأفضل على سنن أبيه ، فقرّبه إليه وأدناه ، وأغدق عليه ورعاه ؛ وهو يجزيه المدائح السائرة ، والقصائد الفاخرة .
هامش
( 1 ) ديوانه 429 .