ولا خفاء أن هذا التقييد بما قال واجب أن يعمل به طلاب العلوم على الإطلاق لما نبه عليه ، واللّه أعلم .
وإن هم اتفق لهم أن يأخذوا عمن ليس في الحال بمشهور عندهم ترجيحا لجانب التحصيل على حظوة الانتساب لمشاهير الوقت فربما ظفروا بمن لا وصول إلا به ، ولا بلوغ لقصد إلا بالأخذ عنه ، كما اتفق للزجاج في أخذه 216 ظ / / عن المبرد حين قدم بغداد ، ولم يكن إذ ذاك مشهورا عندهم ، فحكى الزبيدي « 1 » : « أن المتوكل لما قتل « بسرّ من رأى » رحل « المبرد » إلى « بغداد » فقدم بلدا لا عهد له بأهله ، فاختلّ ، وأدركته الحاجة ، فتوخى شهود صلاة الجمعة ، فلما قضيت الصلاة أقبل على بعض من حضره وسأله أن يفاتحه السؤال ليتسبب له القول ، فلم يكن عند من حضره علم . فلما رأى ذلك رفع صوته ، وطفق يفسر ، يوهم بذلك أنه سئل ، فصارت حوله حلقة عظيمة ، وأبو العباس يصل في ذلك كلامه . فتشوف « أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب » إلى الحلقة ، وكان كثيرا ما يرد الجامع قوم خراسانيون من ذوي النظر ، فيتكلمون ، ويجتمع الناس حولهم ، فإذا بصر بهم ثعلب أرسل من تلاميذه من يفاتشهم فإذا انقطعوا عن الجواب انفض الناس عنهم .
فلما نظر ثعلب إلى من حول أبي العباس أمر « إبراهيم بن السري الزجاج » ، و « ابن الحائك » « 2 » بالنهوض . قال لهما : فضا حلقة هذا الرجل ، ونهض معهما من حضر من أصحابه فلما صارا بين يديه ، قال له إبراهيم بن السري : أتأذن - أعزك اللّه - في المفاتشة ؟ فقال له أبو العباس : سل عما أحببت ، فسأله عن مسألة ، فأجابه فيها بجواب أقنعه ، فنظر الزجاج في وجوه أصحابه متعجبا من تجويد أبي العباس للجواب .
فلما انفض ذلك ، قال له أبو العباس : أقنعت بالجواب ؟ فقال : نعم قال :
هامش
( 1 ) في طبقاته : 109 - 110 .
( 2 ) ابن الحائك : هارون بن الحائك الضرير ، كان يوزن بميزان ثعلب في النحو . وكان من أصحابه وجلسائه ، انظر طبقات الزبيدي : 151 - 152 .