ثم ذكر تمام هذا الخبر ، وفيه أسوة لمن ترقى مثله عن الاقتصار على فن الأدب إلى طلب التفقه في الدين ، وإحراز رتبة الكمال في الإشراف على علومه ، وفيه مع ذلك ، ومع ما علم من حاله أنه لما لزم طلب الأدب ، وعلوم العربية في تلك المدة مع الموهبة التي خصه اللّه بها ، بلغ في ذلك المبلغ الذي شهد له بالنهاية فيه أئمة ذلك الفن ، فقد قال الأصمعي : « رأيت محمد بن إدريس فرأيت فقيها ، عالما ، حسن المعرفة ، عذب اللسان ، لا يصلح إلا لصدر سرير ، أو ذروة منبر ، وما علمت أني أفدته حرفا فضلا عن غيره ، ولقد استفدت منه ما لو حفظ رجل يسيره لكان عالما . وقال ابن هشام : الشافعي حجة في اللغة » « 1 » .
قال عياض : « وذاكره بمصر في أنساب الرجال ، [ فقال له الشافعي بعد ساعة : دع هذه فإنها لا تذهب عنا ولا عنك ، وخذ بنا في أنساب [ النساء ] « 2 » ] « 3 » ، فلما أخذا في ذلك بقي ابن هشام ساكتا ، فكان يقول : واللّه ما ظننت أن اللّه خلق مثل هذا .
قال : وقال الزعفراني : كان يحضر مجلسه ببغداد الأدباء والكتاب يسمعون حسن ألفاظه وفصاحته ، وما رأيت ولا رأى أحد في عصر الشافعي مثله » « 4 » .
قال : وقال أبو يعقوب البويطي « 5 » : « رأيت الناس بمصر ، والشام ،
هامش
( 1 ) م . س : 3 / 183 - 185 .
( 2 ) في الأصول : الرجال ، والتصويب من المدارك .
( 3 ) ما بين المعقوفتين ساقط من « د » .
( 4 ) م . س : 3 / 183 - 185 .
( 5 ) هو يوسف بن يحيى البويطي المصري ( أبو يعقوب ) . ت : 231 ه - 836 م . فقيه مناظر ، صحب الإمام الشافعي ، وقام مقامه في الدرس والإفتاء بعد وفاته ، وحمل إلى بغداد في أيام الواثق مقيدا ، وأريد منه القول بأن القرآن مخلوق فامتنع فسجن ، وتوفي في سجنه ببغداد ، من تصانيفه :
« المختصر الكبير » ، و « المختصر الصغير » . انظر : الفهرست : 312 ، وطبقات الشافعية : 2 / 162 - 170 .