وكفى بذلك ذما تأنف منه ذوو الهمم العالية ، والفطر السليمة ، لأن الجهل من حيث هو صفة نقص حسبما تقدم في تتمة الباب الأول .
الثاني : وجوب التوبة عليه من ذلك الجهل لينصرف إلى ما يجب عليه أن يعتقده ، وهو العلم بمنفعة هذا العلم ، وعظيم جدواه ، وإلا بقي مرتبكا في ظلمة جهله ، وخائضا في غمرة ناره ، فقد سبق عن الإمام فخر الدين : « أن من رضي بالجهل فقد رضي بنار حاضرة ، ومن اشتغل بالعلم فقد خاض في جنة حاضرة » « 1 » .
وله في « موضع آخر » : « أنه تعالى قدم عذاب الجهل على عذاب النار .
فقال :
كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ( 15 ) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ
» « 2 » .
الثالث : وهو علة وجوب التوبة من قبح ذلك الجهل شرعا ، تصريحه بأن شيئا من أمور الديانة والإسلام لا يصح إلا بلسان العرب حسبما شهد به من تقدم النقل عنه من أئمة العلماء ، ويعلمه من له أدنى معرفة بما يتحقق من ذلك 172 / / عند من علم أن الشريعة عربية ، وفيما سبق منه كفاية .
الرابع : مبالغة في التشنيع على معتقد هذه المقالة حيث قيل له : « إنه ليس بجاهل ، ولكنه ممن يقرأ الحديث والمسائل » .
وبحق ما فعل ذلك ، فإن جهل مثل هذا أشنع من جهل من لا يخوض في شيء من العلم . وأيضا لما كان قد جهل أنه يجهل فيكون لا محالة صادا عن سبيل العلم الذي لا بد منه في فتح علوم السعادة من جهة أنه يعتقد فيه أنه من جملة العلماء فيقبل منه إذا هو طعن في هذا العلم ، وقبح الاشتغال به ، وحينئذ ينقلب شيطانا فيجب اجتناب ضلاله ، ويتأكد الحذر من خدع تلبيسه .
فلذلك حكم عليه الخليل بن أحمد - رحمه اللّه - بكلامه الشهير عنه :
« الرجال أربعة ، رجل يدري ، ويدري أنه يدري فهو عالم فاتبعوه ، ورجل
هامش
( 1 ) انظر ص : 34 و / من مخ « أ » . ص : 191 من هذا الكتاب .
( 2 ) سورة المطففين ، الآيتان : 15 و 16 .