يقال له : أما أنهم رأسوا في النحو ، وبرزوا في إحراز الغاية منه ، فذلك مما لا يسع جحده ، وأما أنهم مع ذلك لا أدمغة لهم وذلك كناية عن ذهاب النحو بعقولهم : فإن عنى به النحو الذي لا بد منه في تمهيد ما يحتاج إليه بحسب النظر في الشريعة فلا يخفى كذب دعواه ، وفحش ما أساء به الأدب ، وحينئذ فرياستهم لم تحصل لهم إلا بحق .
وإن عنى به ما يجري مجرى الملح التي لا يتوقف فهم كلام العرب على التوغل في النظر فيها ، فلا ننكر أن اعتقاد تأكد الاهتمام بها مما لا يرتضيه ذوو العقول الراجحة ، ولكنه ليس بغالب على المعتبرين من أهل الصناعة حتى يرمى الجميع به ، وينكر لأجله ما علم لهم من اليد 20 ظ / / الطولى في تسهيل طرق الفهم في الكتاب والسنة ، ولعمري إن هذا الناظم لأحق بهذه الشهادة في نفسه ، حيث أطلق الكلام بمثل هذا الكذب الشنيع .
معارضة قدح بأصدق ثناء ومدح
قد مدح الناس هذا العلم ، وبالغوا في الثناء عليه ، عناية به وإظهارا لفضله . ولهم في ذلك منظوم ومنثور :
النوع الأول : المنظوم :
ومنه ما أنشده غير واحد « 1 » للخليل - رحمه اللّه - :
لا يكون السريّ مثل الدني * لا ، ولا ذو الذكاء مثل الغبيّ
لا يكون الألد « 2 » ذو المقول « 3 » المر * هف عند القياس مثل العيي « 4 »
( قيمة المرء كل ما يحسن المر * ء ، قضاء من الإمام علي ) « 5 »
هامش
( 1 ) ذكر ذلك ابن عبد البر النمري في كتابه « بهجة المجالس » : ق 1 / 65 ، وفي « جامع العلم » : 1 / 100 و 2 / 168 ، و « الزبيدي » في « الطبقات » ص : 50 .
( 2 ) الألد : الخصم الذي لا يحيد عن خصومته .
( 3 ) المقول : حسن القول .
( 4 ) العيي : ج أعياء وأعيياء : الذي لم يهتد لوجه مراده ، وعجز عن الوصول إليه .
( 5 ) إشارة إلى ما ورد في بعض خطب « علي » وقدر كل امرئ ما يحسن ، وسيذكر ابن الأزرق ذلك فيما بعد .