المالقي مولدا ، ومنشأ ، مع القاضي أبي القاسم ابن حبيش « 1 » عند قدومه عليه بمرسية « 2 » ليأخذ عنه ، وذلك أنه لما ورد عليه لم يجد سبيلا إلى التوصل لما كان يريده من الاختصاص به ، والاستكثار منه لما كان القاضي قد شغل به من الأحكام مع ازدحام الناس عليه من وجوه أهل « مرسية » وغيرهم من الواردين ، قال - رحمه اللّه - فيما حكى ولده الشيخ أبو بكر : فكنت إذا جئت مجلسه ، قعدت في أخريات الناس ، فأسمع ما يقدر لي سماعه ، ثم انصرف ، فمر للقارئ عليه ذات يوم اسم رجل اختلف في منعه من الصرف ، فسألهم القاضي عنه ، فتكلم بعض الحاضرين في ذلك بكلام غير مقنع ، وكان القاضي لم يرضه ، فقلت في نفسي : لا أجد شيئا أحظى به عند الشيخ مثل التكلم في هذا المقام .
قال : فتطاولت إليه من بين الجماعة ، وقلت : يا سيدي ، إن عندي في هذه المسألة مزيد بيان ، فإن أذنتم في الكلام تكلمت . فقال لي : تكلم يا فتى ، قال : فتكلمت في المسألة ، وبسطت القول في الباب ، ونصصت الخلاف ، ورجحت الصواب ، ولم أبق غاية ، والقاضي أثناء ذلك مصغ إلي ، فلما استوفيت القول في المسألة ، قام ، وفسح لي مكانا بإزائه ، وقال لي : هذا مكانك ، ولم يزل على ذلك من بري وإيثاري إلى أن رحلت عنه .
قال ولده : وقد رأيت مصداق هذا بخط أبي في كتاب خاطب به أباه - رحمه اللّه - من مرسية حينئذ ، ونص بعض فصوله : « والذي وجب به إعلامكم يا سيدي أن الشيخ الفقيه القاضي أبا القاسم ابن حبيش - رضي اللّه عنه - أولاني من بره ، وإقباله ، وإيثاره ، واهتباله ، ما يقصر عن وصف أقله اللسان ، ويقل عنده كل إحسان ، وخصني بروايتين في أول النهار وآخره ، وهو
هامش
( 1 ) عبد الرحمن بن محمد أبو القاسم بن حبيش الأنصاري الأندلسي . ت : 584 ه - 1188 م ، بمرسية . القاضي ، الإمام ، الحافظ ، برع في النحو ، وكان أحد الأئمة في الحديث ، وغريبه ، ولغته . وله كتاب « المغازي » في مجلدات . انظر : البغية : 2 / 85 .
( 2 ) مدينة بالأندلس اختطها عبد الرحمن بن الحكم بن هشام الأموي وسماها : تدمير : بتدمر الشام ذات أشجار ، وحدائق محدقة بها . انظر : معجم البلدان : 5 / 107 .