وقيل :
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا * ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد « 1 »
وقّع جعفر البرمكيّ على ظهر رقعة فيها قصيدة : إذا كان الإكثار أبلغ كان الإيجاز تقصيرا ، وإذا كان الإيجاز كافيا كان الإكثار عيّا . سئل عليّ رضي اللّه عنه عن اللسان فقال : معيار أطاشه الجهل وأرجحه العقل . قال عبد الملك لرجل :
حدّثني ، فقال : يا أمير المؤمنين افتتح فإنّ الحديث يفتح بعضه بعضا .
عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « الشعر جدل « 2 » من كلام العرب يشفى به الغيظ ويتوصّل به إلى المجالس وتقضى به الحاجة » . ضجر شعبة من إملاء الحديث فرأى أبا زيد الأنصاريّ فأنشد :
استعجمت « 3 » دارميّ لا تكلّمنا * والدار لو كلّمتنا ذات أخبار
ثم قال : إليّ أبا زيد ، فجاءه فتناشدا ، فقال بعض أصحابه : نقطع إليك ظهور الإبل لنسمع منك الحديث وأنت تقبل على الأشعار ! فغضب شديدا وقال :
أنا أعلم بالأصلح لي . قيل لجميل : لو قرأت القرآن كان أنفع لك من الشعر ، فقال : حدّثنا أنس عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إنّ من الشعر لحكمة » . الخليل :
الشعراء أمراء الكلام يصرّفونه أنّى شاءوا ، جائز لهم فيه ما لا يجوز لغيرهم من إطلاق المعنى وتقييده ، ومن تسهيل اللفظ وتعقيده ، ومدّ مقصوره وقصر ممدوده ، والجمع بين لغاته ، والترصيف بين صلاته ، واستخراج ما كلّت الألسن عن تعقّله ، والأذهان عن فهمه ، يبعّدون القريب ويقرّبون البعيد ، يحتجّ لهم
هامش
( 1 ) البيت لطرفة بن العبد ، من معلّقته .
( 2 ) الجدل : مقابلة الحجّة بالحجّة .
( 3 ) استعجمت الدار : لم تفصح عن شيء .