تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 612

مساهمون:

ص٦١٢
ثم ضرب لهم في ذلك مثلا ، ثم قال : هم كالهرمة من الكلاب في مرابضها ، يمرّ بها أصناف الناس فلا تحرّك ، وإن مرّ بها كلب مثلها نهضت إليه بأجمعها حتّى تقتله . وحدّثني عمر بن سيف ، أنه حضر مجلس أبي عبّاد ثابت بن يحيى يوما في منزله ، وعنده جماعة من الكتاب فذكر ما هم عليه من ملائم الأخلاق ومدانس الأفعال ، قال : ووصف تقاطعهم عند الاحتياج ، و [ عدم ] تعاطفهم عند الاختلال ، وزهدهم في المواصلة فقال : معاشر الكتاب ، ما أعلم أهل صناعة أملأ لقلوب العامّة منكم ، ولا النعم على قوم أظهر منها عليكم . ثم إنّكم في غاية التقاطع عند الاحتياج ، وفي ذروة الزّهد في التعاطف عند الاختلال . وإنّه ليبلغني أنّ رجلا من القصابين يكون في سوقه ، فيتلف ما في يديه ، فيخلّي له القصّابون سوقهم يوما ، ويجعلون له أرباحهم ، فيكون بربحها منفردا ، وبالبيع مفردا ، فيسدّون بذلك خلّته ، ويجبرون منه كسره . وإنّكم لتناكرون عند الاجتماع والتعارف ، تناكر الضّباب والسّلاحف ، ثم مع استحواذكم على صناعتكم ، وقلّة ملابسة أهل الصناعات لها معكم ، لم أر صناعة من الصناعات إلّا وقد يجمع أهلها غيرها إليها فيعانونها جميعا ، وينزلون لضرب من التجارات معا ، إلّا صناعتكم هذه ؛ فإنّ المتعاطي لها منكم ؛ والمتسمّي بها من نظرائكم ، لا يليق به ملابسة سواها ، ولا ينساغ له التّساغل بغيرها ثم كأنكم أولاد علّات ، وضرائر أمّهات ، في عداوة بعضكم بعضا ، وحنق بعضكم على بعض . أفّ لكم ولأخلاقكم ! إنّ للكتّاب طبائع لئيمة ، ولولا ذلك لم يكن سائر أهل التجارات والمكاسب بنظرائهم بررة ، ومن ورائهم لهم حفظة ، وأنتم لأشكالكم مذلّون ، ولأهل صنائعكم قالون . قبح اللّه الذي يقول قضينا في الأمور بالأغلب .
رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 612 | الجاحظ / علي أبو ملحم