تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 609

مساهمون:

ص٦٠٩

[ 6 - فسق الكتاب ]

ومن الدليل على ذلك ، أنّه لم ير كاتب قطّ جعل القرآن سميره ، ولا علمه تفسيره ، ولا التفقّه في الدّين شعاره ، ولا الحفظ للسّنن والآثار عماده ، فإن وجد الواحد منهم ذاكرا شيئا من ذلك لم يكن لدوران فكّيه به طلاقة ، ولا لمجيئه منه حلاوة . وإن آثر الفرد منهم السّعي في طلب الحديث ، والتشاغل بذكر كتب المتفقّهين ، استثقله أقرانه ، واستوخمه ألّافه ، وقضوا عليه بالإدبار في معيشته ، والحرفة في صناعته ، حين حاول ما ليس من طبعه ، ورام ما ليس من شكله . قال الزّهريّ لرجل : أيعجبك الحديث ؟ قال : نعم . قال : أما إنّه لا يعجب إلّا الفحول من الرّجال ، ولا يبغضه إلّا إناثهم ! ولئن وافق هذا القول من الزّهري فيهم مذهبا ، إنّ ذلك لبيّن في شمائلهم ، مفهوم في إشاراتهم .

[ 7 - المعتزلة يكرهون الكتاب ]

وسئل ثمامة بن أشرس يوما ، وقد خرج من عند عمرو بن مسعدة ، فقيل له : يا أبا معن ، ما رأيت من معرفة هذا الرّجل وبلوت من فهمه ؟ فقال : ما رأيت قوما نفرت طبائعهم عن قبول العلوم ، وصغرت هممهم عن احتمال لطائف التمييز - فصار العلم سبب جهلهم ، والبيان علم ضلالتهم ، والفحص والنظر قائد غيّهم ، والحكمة معدن شبههم - [ أكثر ] من الكتّاب . وذكر أبو بكر الأصمّ ابن المقفّع فقال : ما رأيت شيئا إلّا وقليله أخفّ من كثيره إلّا العلم ، فإنّه كلّما كثر خفّ محمله . ولقد رأيت عبد اللّه ابن المقفّع هذا في غزارة علمه وكثرة روايته ، كما قال اللّه عزّ ذكره :
كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
. قد أوهنه علمه ، وأذهله حلمه ، وأعمته حكمته ،