وخبّرت أنّ أبا العتاهية أتى يحيى بن خاقان يوما ليسلّم عليه ، فلم يأذن له حاجبه فانصرف ، وأتاه يوما آخر فصادفه حين نزل فسلّم عليه ، ودخل يحيى إلى منزله ولم يأذن له ، فكتب إليه أبو العتاهية من ساعته رقعة فيها :
أراك تراع حين ترى خيالي * فما هذا يروعك من خيالي
لعلك خائف منّي سؤالا * ألا فلك الأمان من السّؤال
كفيتك إنّ حالك لم تمل بي * لأطلب مثلها بدلا بحالي
وإنّ العسر مثل اليسر عندي * بأيّهما منيت فما أبالي
فلما قرأ يحيى بن خاقان رقعته ووثق بأمانه من السّؤال أذن له ، فخرج الحاجب فوجده قد انصرف ، ولم يعد إليه ، ولا التقيا بعد ذلك .
وجلس الجاحظ يوما في بعض الدوواين ، فتأمّل الكتّاب فقال : خلق حلوة ، وشمائل معشوقة ، وتطرّف أهل الفهم ، ووقار أهل العلم ، فإن ألقيت عليهم الإخلاص وجدتهم كالزّبد يذهب جفاء ، وكنبتة الرّبيع يحرقها الهيف من الرياح ؛ لا يستندون من العلم إلى وثيقة ، ولا يدينون بحقيقة ؛ أخفر الخلق لأماناتهم ؛ وأشراهم بالثمن الخسيس لعهودهم ؛ الويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون .
[ 8 - قلة تعاطف الكتاب ]
ثم وصف أصحاب الصناعات ، وذكر تعاطف أهلها على نظرائهم ، وتعصّب رجالها على غيرهم فقال :
لا أعلم أهل صناعة إلا وهم يجرون في ذلك إلى غاية محمودة ، ويأتون منه آية مذكورة ، إلا الكتّاب ، فإنّ أحدهم يتحاذق عند نظرائه بالاستقصاء على مثله ، ويسترجح رأيه إذا بلغ في نكاية رجل من أهل صناعته .