تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 608

مساهمون:

ص٦٠٨

[ 5 - تكبر الكتاب وادعاؤهم العلم ]

ثم الناشئ فيهم إذا وطئ مقعد الرئاسة ، وتورّك مشورة الخلافة ، وحجزت السّلّة دونه ، وصارت الدواة أمامه ، وحفظ من الكلام فتيقه ، ومن العلم ملحه ، وروى لبزرجمهر أمثاله ، ولأردشير عهده ، ولعبد الحميد رسائله ، ولابن المقفّع أدبه ، وصيّر كتاب مزدك معدن علمه ، ودفتر كليلة ودمنة كنز حكمته - [ ظنّ ] أنّه الفاروق الأكبر في التدبير ، وابن عبّاس في العلم بالتأويل ، ومعاذ بن جبل في العلم بالحلال والحرام ، وعليّ ابن أبي طالب في الجرأة على القضاء والأحكام ، وأبو الهذيل العلّاف في الجزء والطّفرة ، وإبراهيم بن سيار النظّام في المكامنات والمجانسات ، وحسين النّجّار في العبارات والقول بالإثبات ، والأصمعيّ وأبو عبيدة في معرفة اللغات والعلم بالأنساب . فيكون أوّل بدوه الطعن على القرآن في تأليفه ، والقضاء عليه بتناقضه . ثم يظهر ظرفه بتكذيب الأخبار ، وتهجين من نقل الآثار . فإن استرجح أحد عنده أصحاب الرسول صلى اللّه عليه وسلم فتل عند ذكرهم شدقه ، ولوى عند محاسنهم كشحه . وإن ذكر عنده شريح جرّحه ، وإن نعت له الحسن استثقله ، وإن وصف له الشعبيّ استحمقه ، وإن قيل له ابن جبير استجهله ، وإن قدّم عنده النّخعيّ استصغره . ثم يقطع ذلك من مجلسه سياسة أردشير بابكان ، وتدبير أنوشروان ، واستقامة البلاد لآل ساسان . فإن حذر العيون وتفقّده المسلمون ، رجع بذكر السّنن إلى المعقول ، ومحكم القرآن إلى المنسوخ ، ونفى ما لا يدرك بالعيان ، وشبّه بالشاهد الغائب . لا يرتضي من الكتب إلّا المنطق ، ولا يحمد إلّا الواقف ، ولا يستجيد منها إلا السّائر . هذا هو المشهور من أفعالهم والموصوف من أخلاقهم .