قالوا : وأطيب الأفواه نكهة ، وأشدّها عذوبة ، وأكثرها ريقا ؛ أفواه الزنج . والكلاب من بين السّباع أطيب أفواها منها .
قالوا : والسواد ملاوم للعين ، وإذا اعتلّت فخيف عليها لم يكن لها دواء خير من القعود في الظّلمة وفي يد صاحبها خرقة سوداء . فالسّواد للإبصار ، وخير ما في الإنسان البصر .
وقالوا : والسّودان أكثر من البيضان ، لأنّ أكثر ما يعدّ البيضان فارس والجبال وخراسان ، والرّوم والصّقالبة وفرنجة والأبر ، وشيئا بعد ذلك قليلا غير كثير . والسّودان يعدّون الزّنج والحبشة ، وفزّان وبربر ، والقبط والنّوبة ، وزغاوة ومرر ، والسّند والهند ، والقمار والدّبيلا ، والصّين وما صين . والبحر أكثر من البرّ ، وجزائر البحر ما بين الصّين والزّنج مملوءة سودانا ، كسرنديب ، وكله ، وأمل ، وزابج وجزائرها إلى الهند إلى الصين إلى كابل وتلك السواحل .
قالوا : وكان الأعمى الاشتيام يقول : السّودان أكثر من البيضان ، والصّخر أكثر من الوحل ، والرّمل أكثر من التّراب ، والماء المالح أكثر من العذب .
قالوا : ومنّا العرب لا من البيضان ؛ لقرب ألوانهم من ألواننا . والهند أسفر ألوانا من العرب ، وهم من السّودان . ولأن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « بعثت إلى الأحمر والأسود » وقد علم النّاس أنّ العرب ليست بحمر كما ذكرنا قبل هذا .
قال : فهذا المفخر لنا وللعرب على جميع البيضان إن أحبّت ذلك العرب ؛ وإن كرهته فإنّ المفخر لنا بالذي ذكرنا على الجميع .
قالوا : ولولا لم نكثركم إلّا بالزابج وحدها لفضلناكم بهم فضلا مبينا ؛ وذلك أنّ ملك الزابج إن غضب على أهل مملكة ولم يتّقوه بالخراج بعث ألف
رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 552
مساهمون: الجاحظ
ص٥٥٢