الوعل ؛ وأنت تحسبه مخاطرا بنفسه ، للذي ترى من مطّلعه . ولو كان في كلّ ذلك مخاطرا لما دامت له السلامة مع تتابع ذلك منه .
قال : ويفخر الخارجيّ بأنّه إذا طلب أدرك ، وإذا طلب لم يدرك .
والتركيّ ليس يحوج إلى أن يفوت ؛ لأنه لا يطلب ولا يرام . ومن يروم [ ما لا يطمع فيه ] ؟ ! فهذا . على أنّا قد علمنا أنّ العلّة التي عمّت الخوارج بالنّجدة استواء حالاتهم في الدّيانة ، واعتقادهم أنّ القتال دين ؛ لأنّنا حين وجدنا السّجستانيّ والخراساني والجزريّ واليماميّ والمغربيّ والعمانيّ ، والأزرقيّ منهم والنّجديّ والإباضيّ والصّفريّ ، والمولى والعربيّ ، والعجميّ والأعرابيّ ، والعبيد والنّساء ، والحائك والفلّاح ، كلّهم يقاتل مع اختلاف الأنساب وتباين البلدان - علمنا أنّ الدّيانة هي التي سوّت بينهم ، ووفّقت بينهم في ذلك . كما أنّ كلّ حجّام في الأرض من أيّ جنس كان ، ومن أي بلد كان ، فهو يحبّ النّبيذ ، وكما أنّ أصحاب الخلقان والسّماكين والنّخّاسين والحاكة في كلّ بلد من كلّ جنس ، شرار خلق اللّه في المبايعة والمعاملة . فعلمنا بذلك أنّ ذلك خلقة في هذه الصناعات ، وبنية في هذه التّجارات ، حين صاروا من بين جميع الناس كذلك .
قال : ورأينا التركيّ في بلاده ليس يقاتل على دين ولا على تأويل ، ولا على ملك ولا على خراج ، ولا على عصبيّة ولا على غيرة دون الحرمة والمحرم ، ولا على حميّة ولا على عداوة ، ولا على وطن ومنع دار ولا مال ؛ وإنّما يقاتل على السّلب والخيار في يده . وليس يخاف الوعيد إن هرب ، ولا يرجو الوعد إن أبلى عذرا . وكذلك هم في بلادهم وغاراتهم وحروبهم . وهو الطالب غير المطلوب ؛ ومن كان كذلك فإنّما يأخذ العفو من قوّته ، ولا يحتاج إلى [ مجهوده ] . ثم هو مع ذلك لا يقوم له شيء ولا يطمع فيه أحد ، فما ظنّك بمن هذه صفته أن لو اضطرّه إحراج أو غيره أو غضب أو تديّن ، أو
رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 499
مساهمون: الجاحظ
ص٤٩٩