وأنتق أرحاما ، وأشدّ عصبا وأتمّ عظاما ، وأبداننا أحمل للسلاح ، وتجفافنا أملأ للعيون .
ونحن أكثر مادّة ، وأكثر عددا وعدّة .
ولو أنّ يأجوج ومأجوج كاثروا من وراء النّهر منّا لظهروا عليهم بالعدد .
فأمّا الأيد وشدّة الأسر ، فليس لأحد بعد عاد وثمود والعمالقة والكنعانيّين مثل أيدنا وأسرنا .
ولو أن خيول الأرض وفرسان جميع الأطراف جمعوا في حلبة واحدة ، لكنّا أكثر في العيون ، وأهول في الصّدور .
ومتى رأيت مواكبنا وفرساننا ، وبنودنا التي لا يحملها غيرنا ، علمت أننا لم نخلق إلّا لقلب الدّول ، وطاعة الخلفاء ، وتأييد السلطان .
ولو أنّ أهل التبت ورجال الزابج ، وفرسان الهند ، وحلبة الرّوم ، هجم عليهم هاشم بن أشتاخنج لما امتنعوا من طرح السّلاح والهرب في البلاد .
ونحن أصحاب اللّحى وأرباب النّهى ، وأهل الحلم والحجا ، وأهل الثّخانة في الرأي ، والبعد من الطّيش . ولسنا كجند الشّام المتعرّضين للحرم ، والمنتهكين لكلّ محرم .
ونحن ناس لنا أمانة وفينا عفّة . ونحن نجمع بين النّزاهة والقناعة والصّبر على الخدمة ، والتجمير عند بعد الشّقّة . ولنا الطّبول المهولة العظام والبنود ، ونحن أصحاب التجافيف والأجراس ، والبازيكند واللّبود الطّوال ، والأغماد المعقّفة والشّوارب المعقربة ، والقلانس الشاشيّة ، والخيول الشهرية ، والكافر كوبات والطّبرزينات [ في الأكفّ ] ، والخناجر في الأوساط . ولنا حسن الجلسة على ظهور الخيل . ولنا الأصوات التي تسقط منها الحبالى .
وليس في الأرض صناعة غريبة من أدب وحكمة ، وحساب وهندسة ،
رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 481
مساهمون: الجاحظ
ص٤٨١