تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
كانوا يتعجّبون ممن رأى الوقوف في حرب عليّ والزبير وطلحة ولم يقف في حرب عليّ ومعاوية ، وأن معاوية إمّا أن يكون على الحقّ وإمّا أن يكون أثبت على القياس وأبقى على المسائل من أمر طلحة والزّبير ، وأنّ حجّته في قتال عليّ أصحّ من حجّة عبد اللّه بن وهب ، وأنّ عذره أوضح من عذر أصحاب النهر ، ولكنه لما كان أهل الحجاز وأهل العراق لبغضتهم على أهل الشام ولطول محاربتهم لأجناد بني مروان وآل أبي سفيان أطلقوا ] على عداوتهم البراءة منهم ، صار من عرف حقّهم استعمل التقيّة ومن لم يعرفه قال : « تقول تلك الجماعة » ، إذ كان لا يرى الجماعة إلّا تلك الجماعة .

[ 29 - موقف طلحة والزبير من علي ]

وذلك أنّ عليّا سمّى أصحاب الجمل الناكثين لنكث طلحة والزّبير لبيعته ، ولم يختلف الناس في بيعتهما له ، ولا أنكر ذلك الزبير يوم واقفه عليّ بالبصرة وقد أقرّ بها طلحة ثمّ ادّعى الإكراه ؛ ففي واجب الحكم أن يقضي عليه بإقراره وأن يسأل البيّنة على دعواه ؛ ولم يستشهد إلّا أسامة ، وليس في قول أسامة وحده حجة على أنّه لم يشهد عليّ ، وأسامة ممّن ترك بيعة عليّ ، ولو لم يدع بيعة عليّ لما كان في شهادة الواحد حجّة ؛ على أنّه لم يشهد إلّا بأنه بايع وهو كاره ، وهذا اللفظ يحتمل الوجوه ، وهو بخلاف ما أراد طلحة أشبه . والحقّ كله مرّ والباطل كله حلو ؛ وقد خلق اللّه النار فحفها بالشهوات وخلق الجنة فحفها بالمكاره ؛ ومن صفة الطاعة أن يحتمل فيها صاحبها الكلفة والمشقّة ومجانبة الهوى ، ومن صفة المعصية أن يدخل فيها من طريق الشهوة لها والذهاب معها ، وقد رجع الزّبير عند الأذكار ، وتأخر طلحة إلى خلاف موضع صاحب الاستبصار حتّى قتل في أخريات الناس ، ولذلك قال بعض الناس : « للّه مصرع شيخ ما أضيعه » ، وهو لا يستطيع ان يدّعي على معاوية عقد بيعة ولا على أصحابه نكثا كما ادّعى على الزبير وأقرّ له بها طلحة .
رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 383 | الجاحظ / علي أبو ملحم