الصحابة ، وهذا التعظيم لمن له هذه الحرمة ، وهذا التقديم لمن له هذه التقدمة ؟ ولا بأس ، فأين كان أبو أيّوب الأنصاريّ وأبو مسعود البدريّ ؟ وأين كان عديّ بن حاتم ؟ فإن أقرّت قحطان بأنه لم يكن في جماعته رجل واحد كانت له صحبة يفي موازاة عمرو بن العاص ، فقد أقرّوا بالخسيسة وسلّموا بالفضيلة .
ولعمري أن لو كان المسؤولون من نزار لذكروا رجالا قد جمعوا مع الصحبة العقل البارع والتجربة الكثيرة والرأي الأصيل والغور البعيد والحزم والعزم والعلم والنكرى والدهاء والرأي [ . . . . . ] ، ولو كانت الحال قد بلغت بعليّ إلى أن صار لا يمتنع من قهر تلك اليمانية ومن غلبة بعض ذلك الجند ، وذلك ظاهر لمعاوية ولجواسيسه السعية ، ويزال عنه فرض الجهاد ، فمن كان كذلك كان عن حلبة أهل الشام وأجناده المتناصرة بالأيدي المثقفة هو أعجز .
كلّا ، ليس الأمر على ما قالوا وذكروا ، فما دعا إذا معاوية إلى المحاكمة وكيف رضي بالنصفة ؟ كان عليّ بن أبي طالب أشدّ ورعا وأثقب نظرا وألطف في الأمور تدخّلا من أن يوجّه مع عمرو بن العاص حكما وهو عنده عبد منقوص أو عدوّ مرصد ، بل لا كرّر أن يقلده مثل ذلك الامر وهو عنده ظنين عليه ، وكان الاقلّ من ذلك أن لا يدع الاحتجاج والتبيين والاعتذار إلى غيره من رعيّته وأجناده ؛ فمن أين اتى - يرحمك اللّه - أمن كلال وجمد وعيّ لسان ، أم من قلّة معرفة وضعف مخبرة ؟ أو من جبن قلب وشدّة هيبة ؟ أم من خور في العرق ؟ أم من فساد في أصل الطينة ؟ أم من خبث في المنشإ والعادة ؟ أم من قلّة ممارسة للحروب ومقارعة للابطال ومعاودة للقتال ، مع قتل الفرسان والقادة والرؤساء والسادة ، وهل ربّي إلا فيها وهل نبت لحمه إلا عليها وهل يعرف شيئا سواها ؟
ألا يدور ما يعرف منها على استفاضة علمه واتّساع معرفته ؟
ولو لم يكن عليّ امتحن منها بشيء قطّ ولا اختبر بأمر قطّ إلا بما امتحن به يوم نادى منادي معاوية : « أخرجوا الينا قتلة عثمان ! » ، لكان في ذلك أعظم
رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 355
مساهمون: الجاحظ
ص٣٥٥