تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨
الشرّ ، بعد أن ذاقوا الخفض ووجدوا مسّ المهاد وشمّوا ريح الأولاد ، وبعد ان عاينوا من عدد الجرحى والصرعى والقتلى ، وبعد أن وجدوا خشونة المسّ ومنع الجانب ، وبعد أن قال كبراؤهم : « لا نعود حتى نشمّر الكراع ونحدّ السلاح ونجبي المال » . وأنا واصف لك جملة القول في الحكمين ، إن كان كتابنا هذا يعجز عن التفسير ، فأفهمه واعلم اني وجدتّ الذين خطئوا عليّا في ذلك لم تجاوز تخطئتهم له ثلاثة أوجه : أحدها اختيار أبي موسى بعينه وفي العسكر من هو أدهى منه وأنصح ، وقد قلنا في ذلك جملة كافية إن شاء اللّه ؛ والوجه الآخر إنكارهم حكم الرجال في الأمر الذي قد بينه الكتاب وقطع عليه الشهادة وعرّفهم فيه وجه الحقّ وهو قوله :
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما ، فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ
، وإنّه مثل قوله :
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ
؛ فكما أنه ليس لعليّ ولا لغيره أن يحكّم الرجال في قطع السارق وفي الامساك عنه وفي ضرب الاجل له ، لما ظهر في الآية من الدلالة ، فكذلك ليس له ولا لغيره أن يحكم في قتال الفئة الباغية ويترك ما ظهر في صورة الآية وفي ظاهر الكتاب . والوجه الثالث أنهم قالوا : لم يكن يخلو عليّ في ترك قتالهم ، وقد دعوناه إليه ، من وجهين : إمّا أن يكون كان عاجزا معذورا أو قويّا غير معذور ، فالعذر في ترك القتال واقع ، بل قد فرض اللّه عليه أن لا يعرض قليل من معه لكثير من مع عدوّه من الأعداء ، وعليه أن يعرف ذلك الجاهل ويكفّ عمّن عرف الغمر المتسرّع ، فان قبلوا كان قد بلغ ما أراد من الشفقة والحيطة ، وإن ردّوا ما قصده كان قد أعذر وأنذر ، فظهر في العوامّ عذره وثبتت على سائر الأنام حجّته ، وإن كان قويا وكان بمثل عدده وعدّته يزال الظلم ويدحض الباطل ويقمع العدوّ ، فعليه أن يقاتل : فإن ظفر كان مطيعا منصورا ، وإن ظفر به كان مطيعا معذورا .