تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
الغزو ولم تبق مكسبة سوى التّجارة ، فضربوا في البلاد إلى قيصر بالرّوم ، وإلى النجاشيّ بالحبشة . وإلى المقوقس بمصر ، وصاروا بأجمعهم تجّارا خلطاء . وبانوا بالدّيانة والتحمّس ، فحمّسوا بني عامر ابن صعصعة . وحمّسوا الحارث بن كعب ، فكانوا - وإن كانوا حمسا - لا يتركون الغزو والسّبي ووطء النّساء ، وأخذ الأموال ، فكانت نجدتهم - وإن كان أنقص - فإنّها على حال النّجدة ، ولهم في ذلك بقيّة . وتركت قريش الغزو بتّة . فكانوا - مع طول ترك الغزو - إذا غزوا كالأسود على براثنها ، مع الرأي الأصيل ، والبصيرة النّافذة . أفليس من العجب أن تبقى نجدتهم ، وتثبت بسالتهم ، ثم يعلون الأنجاد والأجواد ، ويفرعون الشّجعان ؟ ! وهاتان الأعجوبتان بيّنتان . وقد علم أنّ سبب استفاضة النجدة في جميع أصناف الخوارج وتقدّمهم في ذلك ، إنّما هو بسبب الدّيانة ! لأنّا نجد عبيدهم ومواليهم ونساءهم ، يقاتلون مثل قتالهم ، ونجد السّجستانيّ وهو عجميّ ، ونجد اليماميّ والبحرانيّ والخوزيّ [ وهم غير ] عرب ، ونجد إباضيّة عمان وهي بلاد عرب ، وإباضيّة تاهرت وهي بلاد عجم ، كلّهم في القتال والنّجدة ، وثبات العزيمة ، والشّدّة في البأس سواء . فاستوت حالاتهم في النّجدة مع اختلاف أنسابهم وبلدانهم . أفما في هذا دليل على أنّ الذي سوّى بينهم التّديّن بالقتال ، وضروب كثيرة من هذا الفنّ ؟ ! وذلك كلّه مصوّر في كتبي ، والحمد للّه . وقد تجدون عموم السّخف والجهل والكذب في المواعيد ، والغشّ في الصناعة ، في الحاكة ، فدلّ استواء حالاتهم في ذلك على استواء عللهم . ليست هناك علّة إلّا الصّناعة ؛ لأنّ الحاكة في كل بلد شيء واحد . وكذلك النّخّاس وصاحب الخلقان ، وبيّاع السّمك . وكذلك الملّاحون وأصحاب السّماد ، أوّلهم كآخرهم ، وكهولهم كشبّانهم ، ولكن قل في استواء الحجّامين في حبّ النبيذ !
رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 111 | الجاحظ / علي أبو ملحم