تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
ذكر خصال قريش ، وذكر خصال قريش جرّ ذكر خصال بني هاشم . فإن أحببت أن تعرف جملة القول في خصال بني هاشم فانظر في كتابي هذا الذي فرّقت فيه بين خصال بني عبد مناف وبين بني محزوم ، وفرّقت ما بين عبد شمس ؛ فإنّه هناك أوفر وأجمع ، إن شاء اللّه تعالى .

[ 6 - عودة إلى خصال قريش ]

فصل منه : قالوا : وقد تعجّب الناس من ثبات قريش ، وجزالة عطاياهم ، واحتمالهم المؤن الغلاظ في دوام كسبهم من التّجارة ، وقد علموا أنّ البخل والبصر في الطّفيف مقرون في التجارة ؛ وذلك خلق من أخلاقهم . وعلى ذلك شاهد أهل الترقيح والتكسّب والتّدنيق . فكان في ثبات جودهم العالي على جود الأجواد ، وهم قوم لا كسب لهم إلّا من التجارة ، عجب من العجب . ثمّ جاء ما هو أعجب من هذا وأطمّ ، وذلك أنّا قد علمنا أنّ الرّوم قبل التديّن بالنّصرانيّة ، كانت تنتصف من ملوك فارس ، وكانت الحروب بينهم سجالا ، فلمّا صارت لا تدين بالقتل والقتال ، والقود والقصاص . اعتراهم مثل ما يعتري الجبناء حتّى صاروا يتكلّفون القتال تكلّفا . ولمّا خامرت طبائعهم تلك الدّيانة ، وسرت في لحومهم ودمائهم فصارت تلك الدّيانة تعترض عليهم . خرجوا من حدود الغالبيّة إلى أن صاروا مغلوبين . وإلى مثل ذلك صارت حال التغّزغز من التّرك . بعد أن كانوا أنجادهم وحماتهم ، وكانوا يتقدّمون الخرلخيّة ، وان كانوا في العدد أضعافهم ، فلما دانوا بالزّندقة - ودين الزّندقة في الكفّ والسّلم أسوأ من دين النّصارى - نقصت تلك الشّجاعة ، وذهبت تلك الشهامة . وقريش من بين جميع العرب دانوا بالتحمّس . وتشدّدوا في الدين ، فتركوا