تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
الصلت يقول ، ويذكر عبد اللّه بن جدعان :
له داع بمكّة مشمعلّ * وحفص فوق دارته ينادي إلى ردح من الشّيزى ملاء * لباب البرّ يلبك بالشّهاد
فلباب البرّ هو هذا النّشا ، والشّهاد يعني به العسل . ألا ترى أنّ عمر بن الخطاب يقول : « أتروني لا أعرف طيّب الطعام ؟ لباب البرّ بصغار المعزى » ، يعني خبز الحوّاري بصغار الجداء . ولقد مدحتهم الشّعراء كما يمدح الملوك ، ومدحتهم الفرسان والأشراف وأخذوا جوائزهم ؛ منهم : دريد بن الصّمّة ، وأميّة بن أبي الصّلت . ومن خصالهم أنّهم لم يشاركوا العرب والأعراب في شيء من جفائهم ، وغلظ شهواتهم ؛ وكانوا لا يأكلون الضّباب ، ولا شيئا من الحشرات ، ألا ترى أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وسلم - أتوا خوانه بضبّ فقال : « ليس من طعام قومي » ، لأنّهم لم يكونوا يحرشون الضّباب ، ويصيدون اليرابيع ، ويملّون القنافذ ، أصحاب الخمر والخمير ، وخبز التّنانير . وقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - : « أنا أفصح العرب بيد أنّي من قريش ، ونشأت في بني سعد بن بكر » . وذلك أنّ جميع قبائل العرب إنّما كانت القبيلة لا تكاد ترى وتسمع إلّا من قبيلتها ورجالها ، فليس عندهم ، إلّا عند قبيل واحد ، من البيان والأدب والرأي والأخرق ، والشمائل ، والحلم والنّجدة والمعرفة ، إلّا في الفرط . وكانت العرب قاطبة ترد مكّة في أيّام الموسم ، وترد أسواق عكاظ وذا المجاز ؛ وتقيم هناك الأيّام الطّوال ، فتعرف قريش ، لاجتماع الأخلاق لهم [ و ] الشّمائل والألفاظ ، والعقول والأحلام ، وهي وادعة وذلك قائم لها ، راهن عندها في كلّ عام ، تتملّك عليهم فيقتسمونهم ، فتكون غطفان للميرة ، وبنو عامر لكذا ، وتميم لكذا ، تغلبها المناسك وتقوم بجميع شأنها .