تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
ومن المنازل والدّيارات ، من غير أن يكونوا خدعوا أو استكرهوا . ولو اجتمعوا على اختيار ما هو أرفع ، ورفض ما هو أوضع من اسم أو كنية ، وفي تجارة وصناعة ، ومن شهوة وهمّة ، لذهبت المعاملات ، وبطل التمييز ، ولوقع التجاذب والتغالب ، ثم التحارب ، ولصاروا غرضا للتّفاني ، وأكلة للبوار . فالحمد للّه أكثر الحمد وأطيبه على نعمه ، ما ظهر منها وما بطن ، وما جهل منها وما علم ! ذكر اللّه تعالى الدّيار فخبّر عن موقعها من قلوب عباده ، فقال :
وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ
. فسوّى بين موقع قتل أنفسهم وبين الخروج من ديارهم . وقال :
وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا
. فسوّى بين موقع الخروج من ديارهم وبين موقع هلاك أبنائهم . فصل منه : - فقسم اللّه تعالى المصالح بين المقام والظّعن ، وبين الغربة وإلف الوطن ، وبين ما هو أربح وأرفع ، حين جعل مجاري الأرزاق مع الحركة والطّلب . وأكثر ذلك ما كان مع طول الاغتراب ، والبعد في المسافة ، ليفيدك الأمور ، فيمكن الاختبار ويحسن الاختيار . والعقل المولود متناهي الحدود ، وعقل التجارب لا يوقف منه على حدّ . ألا ترى أنّ اللّه لم يجعل إلف الوطن عليهم مفترضا ، وقيدا مصمتا ، ولم يجعل كفاياتهم مقصورة عليهم ، محتسبة لهم في أوطانهم ؟ ألا تراه يقول :
فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ، عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
. فقسّم الحاجات فجعل أكثرها في البعد . وقال عزّ ذكره :
فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ
فأخرج الكلام والإطلاق على مخرج العموم ، فلم يخصّ أرضا دون أرض ، ولا قربا دون بعد .
رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 101 | الجاحظ / علي أبو ملحم