تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
ولم صار يتمنّى الشّيء وينذر فيه النّذور ، ويتقطّع إليه شوقا ، فإذا ظفر به صدّ عنه وأخلق عنده ؟ ولم زهد الملوك فيما في أيديهم ورغبوا فيما في أيدي الناس ؟ فنقول : إن اللّه تبارك وتعالى جعل لكلّ نفس مبلغا من الوسع لا يمكنها تجاوزه ، ولا تتّسع لأكثر منه . فكان معها فيما دون الوسع الفقر وخوف الإخوان ، وفيما تجاوزه عزّ الغنى وأمن العدم . وبهذا وبمثله من البخل والحرص استخفّت من احتاج إليها ، وأعظمت من استغنى عنها . وجعلها توّاقة مشتاقة ، متطرّفة ملّالة ، كثيرة النزاع والتقلب ، تستحكم عليها الفتنة ، ويبلى خيرها [ من شرّها ] وصبرها من جزعها . ولولا هذه الخلال سقطت المحن ، فهي تعظّم القليل بالضّرورة إليه إن كان من أقواتها ، أو لشدّة النّزاع والشوق إن كان من طرف شهواتها ، فإنّ صنوف الشهوات كثيرة ، ولكلّ صنف منها أهل لا يحفلون بما سواه . وتتعجّب من الغريب النادر ، ويضحكها البديع الطارئ . إلا أنّه إذا كثر الغريب صار قريبا ، وإذا تجاوز المطلوب مقدار وسعها وحاجتها فصار ظهريّا وفضلا استخفّت به وقلّ في أعينها كثيره . وأعظم الأشياء عندها قدرا ما اشتدّ إليه الفقر والحاجة وإن قلّ قدره ، وأهونها عليها ما استغني عنه وإن عظم خطره . وجعل لما تتوق إليه واشتاقه مكانا من قواها ، له . فإذا امتلأ ذلك المكان سرورا ، وقضى ذلك الأرب وطرا مما كا طمح إليه ، وروي مما كان ظامئا إليه ، انصرف عنه وقلاه ، وحال عشقه بغضا ، وشوقه ملالا . والعلّة في ذلك : أنّ الدّنيا دار زوال وملال ، ليس في كيانها أن تثبت هي ولا شيء مما فيها على حال واحدة ، وإنّما الثّبوت الدائم لدار القرار . فالسآمة تلحقها في محبوبها ، كما يصيب المنتهى من الطعام والشراب والباه ، فإنه ليس شيء أبغض إلى من يتناهى فيه إلى غايته ، من النّظر إلى ناحيته ،