رجل ، ورجل لا يساوي رجلا . وكقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :
« الناس كإبل مائة لا يوجد فيها راحلة » .
فكلّ ذلك يراد به أنّ الفضل قليل والنقص قليل لا على نسب ما يتلقّاه الاجتماع من هذه الأعداد ، لأنّا قد نجد الرجل يوزن بالأمّة ، ونجد الأمّة لا تساوى قلامه ظفر ذلك الرجل .
فإذا كان من تقع عليه الشّريطة معدوما - سيّما من يوثق بحلمه وعقله ، وأمانته ونصحه ، ومن لا ضرر عليه ولا نفع له في السّرّ الذي يضمر ولا يحرّم عليه كتمانه ، ومن قد وأي على نفسه بالسّرّ والحفظ ، فإنه ليس كلّ من ضمّن فلم يضمن ضامنا ، ولا من استودع فلم يقبل مستحفظا ، ولا من استخلف فلم يخلف خائنا ، وإنما يلحقه الحمد والذمّ ، والأجر والإثم إذا ضمّن الأمانة ثم خترها - فكأنّ القوم قالوا : لا تودعنّ سرّك أحدا . وإلّا فمتى تجد رجلا فيه الصفة التي وصف بها مسكين الدّارميّ نفسه حيث يقول :
إنّي امرؤ منّى الحياء الذي ترى * أنوء بأخلاق قليل خداعها
أواخي رجالا لست أطلع بعضهم * على سرّ بعض غير أنّي جماعها
يظلّون شتّى في البلاد وسرّهم * إلى صخرة أعيا الرجال انصداعها
وقيل لرجل : كيف كتمانك للسّرّ ؟ قال : أجعل قلبي له قبرا أدفنه فيه إلى يوم النّشور .
وقال الآخر :
وأكتم السّرّ فيه ضربة العنق
وهذه صفات موجودة بالأقوال ، معدومة بالأفعال . والمغرور من اغترّ بما يعده الواعد منها دون أن يبلو الخبر .