تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
الصّريمة . وقد شكا بعض الملوك تنقيب العوامّ عن أسرار الملوك فقال :
ما يريد الناس منّا * ما ينام الناس عنّا لو سكنّا باطن الأر * ض لكانوا حيث كنّا إنما همّهم أن * ينشروا ما قد دفّنا
ولم نرى حبّ الطعن على الملوك ، والتجسّس على أخبارهم ، وعشق نشر المعايب ، واستحلال الغيبة ، ظاهرا في طباع الناس لا يكاد ينجو منه أحد منهم إلّا من رجح حلمه وعظمت مروءته ، وظهر سؤدده ، واشتدّ ورعه ، حتى قال بعضهم : « الغيبة فاكهة النّسّاك » . ورووا عن بعضهم أنه قال : « الفاسق لا غيبة له » . وقال آخر : « أترعوون من ذكر الفاسق ؟ اذكروه يعرفه الناس » .

[ 8 - الغيبة ]

ولم نر اللّه جلّ ثناؤه رخّص في اغتياب مؤمن ، بل ضرب المثل في الغيبة بأكره ما تكرهه النّفوس ، وما تختار منه الموت على الحياة ، فقال :
وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ
. واغتياب الناس جميعا خطة جور في الحكم ، وسقوط في الهمة ، وسخافة في الرأي ، ودناءة في القيمة ، وكلفة عريضة ، وحسد ونفاسة قد استحوذت على هذا العالم وغلبت على طبائعهم ، وتوكّدت لسوء العادة عندهم ، ولعلوّ الشرّ على الخير ، وكثرة الدّغل والنّغل والحسد في القلوب . فلست ترى منها ناجيا . إمّا ناظر بعين عدل وإنصاف ، فهو يرى ما ينكر فيبدو في وجهه