فإن الأمر في ذلك كما قال الشاعر :
وما كلّ ذي لبّ بمؤتيك نصحه * ولا كلّ مؤت نصحه بلبيب
ولقد استحسن الناس من بعض رجال العراق أنّه دخل على عبد الملك ابن مروان فأوقع بالحجّاج عنده وسبّه ، فلمّا خرج من عنده خبّر بما كان منه لبعض أصحابه ، فلامه وأنّبه وقال : ما يؤمنك أن يخبر أمير المؤمنين عبد الملك الحجاج بما قلت فيه - ومرجعك إلى العراق - فيضغنه عليك ؟ قال :
كلّا ، واللّه إنّي ما رطلت بيدي قطّ أحدا أرزن منه .
وهذا واللّه - أبقاك اللّه - الغلط البيّن ، والعذر الملفّق ، وتحسين فارط الخطأ ، لأنّه ليس كلّ راجح وعاقل بناصح لصاحب السرّ ، ولو كان أخوه كذلك كان أمره إليه أهمّ ، وشأنه أولى . والأعلى من الناس لا يكلّف الأدنى هذه المئونة ، وإنّما يفعلها الأدنون بالاعلين رغبة ورهبا ، وتحسّسا عندهم بحاجتهم إليهم .
[ 5 - من يذيع الاسرار ]
وأكثر ما يذيع أسرار الناس أهلوهم وعبيدهم ، وحاشيتهم وصبيانهم ، و [ من ] لهم عليهم اليد والسلطان . فالسرّ الذي يودعه خليفة في عامل له يلحقه زينه وشينه ، أحرى ألّا يكتمه . وهذا سبيل كل سرّ يستودعه الجلّة والعظماء ، ومن لا تبلغه العقوبة ولا تلحقه اللائمة .
وقال سليمان بن داود في حكمته : ليكن أصدقاؤك كثيرا ، وصاحب سرّك واحدا من ألف .
وليس معنى الحديث أن تعدّ ممن تعرف ألفا وتفضى إلى واحد بسرّك إن لم يكن ذلك الواحد موضعا للأمانة في السرّ . لكنه قيل : رجل يساوي ألف