تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
فضلا عن ملابسته ، إلى وقت عودة السبب الأوّل . فإذا كانت الطبائع تتشابه ، ولكل حاسّة قوة ، فإذا امتلأت تلك القوّة من محسوسها لم تجد لها وراءه طعما ولا ريحا ، وعاد عليها الضّرر . فبعض النظر يعمى ، والصّوت الشديد يصمّ ، والرائحة المنتنة تبطل المشمّ ، والأطعمة الحارّة المحرقة تبطل حاسّة اللسان . وتتطرّف كلّ واحدة منها ، فبين الطيّب عند من بعد عهده [ به ] ؛ ، والجماع والسّماع ، وبين من هو مغموس فيه بون بعيد جدا ، في الحلاوة وحسن الموقع . كلّ ذلك ما لم يأت المال والعلم ، فإنّه كلّما كثر كان أشهى وأعجب ، لأنّ قصد النّاس له ليس لطلب مقدار الحاجة وسدّ الخلّة كما يريده أهل القناعة والزّهادة ، وإنّما يراد لقمع الحرص ، والحرص لا حدّ له ولا نهاية ، لأنه سعى لا لحاجة ، وإيضاع لا لبغية . وهكذا قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لو أنّ لا بن آدم واديين من ذهب لابتغى إليهما ثالثا . ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب » . وقال بعض الحكماء :
من كان لا يغنى بما يغنيه * فكلّ ما في الأرض لا يغنيه
قال اللّه عزّ وجلّ :
وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا
. . وقال :
وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ
. وقال الشاعر :
والناس إن شبعت بطونهم * فعيونهم في ذاك لا تشبع
فأمّا الحديث الذي جاء : « لا يشبع أربع من أربعة : أرض من مطر ، وعين من نظر ، وأنثى من ذكر ، وعالم من علم » . . فإنّ العين لا تشبع في الجملة كما لا يشبع الخيشوم من الاستنشاق . فأمّا من صنف مما يراه دون
رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 99 | الجاحظ / علي أبو ملحم