تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 413

مساهمون:

ص٤١٣
ومنها : ما يحسن موقعه على قدر طباع الحرص وجشع النّفس . فأرفعها منازل حبّ المشغوف شكر النّعمة . وهو الذي يدوم شكره ، ويبقى على الأيام ودّه . والثاني هو الذي إنّما اشتدّ حبّه على قدر موضع المال من قلب الحريص الجشع ، واللّئيم الطّمع . فهذا الذي لا يشكر ، وإن شكر لم يشكر إلّا ليستزيد ، ولم يمدح إلّا ليستمدّ . وعلى أنّه لا يأتي الحمد إلّا زحفا ، ولا يفعله إلّا تكلّفا . وأنا أسأل اللّه الذي قسم له أفضل الحظوظ في الإنعام ، أن يقسم لنا أفضل الحظوظ في الشّكر . وما غاية قولنا هذا ومدار أمرنا إلّا على طاعة توجب الدّعاء ، وحرّيّة توجب الثّناء ، شاكرين كنّا أو منعمين ، وراجين كنّا أو مرجوّين . ومن صرف اللّه حاجته إلى الكرام ، وعدل به عن اللّئام فلا يعدّنّ نفسه في الرّاغبين ولا في الطّالبين المؤمّلين ، لأنّ من لم يجرع مرارة المطال ، ولم يمدّ للرّحيل التّسويف ، ويقطع عنقه بطول الانتظار ، ويحمل مكروه ذلّ السؤال ، ويحمل على طمع يحثّه يأس ، كان خارجا من حدود المؤمّلين . ومن استولى على طمعه الثّقة بالإنجاز ، وعلى طلبته اليقين بسرعة الظّفر ، وعلى ظفره الجزيل من الإفضال ، وعلى إفضاله العلم بقلّة التثريب ، وبالسّلامة من التّنغيص بالتماس الشكر ، وبالبكور وبالرّواح وبالخضوع إذا دخل ، والاستكانة إذا جلس . ثم مع ذلك لم يكن ما أنعم به عليه ثوابا لسالف يد ، ولا تعويضا من كدّ ، كانت النعمة محضة خالصة ، ومهذّبة صافية ، وهي نعمتكم التي ابتدأتمونا بها . ولا تكون النّعمة سابغة ولا الأيدي شاملة ، ولا السّتر كثيفا ذيّالا ، وكثير العرض مطبقا ، ودون الفقر حاجزا ، وعلى الغنى ملتحفا ، حتّى يخرج من عندكم ، ثم يحتسب إلى شاكر حرّ .