تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 415

مساهمون:

ص٤١٥
وجوههم ، والبرهان على دعواي ظاهر في شمائلهم ، والأخبار مستفيضة ، والشّهود متعاونة . وأنت حين ترى عتق تلك الدّيباجة ، ورونق ذلك المنظر ، علمت أنّ التالد هو قياد هذا الطّارف . أمّا أنا فلم أر لأبي الفرج - أدام اللّه كرامته - ذامّا ولا شانئا ولا عائبا ولا هاجيا ، بل لم أجد مادحا قطّ إلّا ومن سمع تسابق إلى تلك المعاني ، ولا رأيت واصفا له قطّ إلّا وكلّ من حضر يهشّ له ويرتاح لقوله . قال الطّرمّاح :
هل المجد إلّا السّودد العود والنّدى * ورأب الثّأى والصّبر عند المواطن
ولكن هل المجد إلّا كرم الأرومة والحسب وبعد الهمّة ، وكثرة الأدب ، والثّبات على العهد إذا زلّت الأقدام ، وتوكيد العقد إذا انحلّت معاقد الكرام ، وإلّا التّواضع عند حدوث النّعمة ، واحتمال كلّ العثرة ، والنّفاذ في الكتابة ، والإشراف على الصّناعة . والكتاب هو القطب الذي عليه مدار علم ما في العالم وآداب الملوك ، وتلخيص الألفاظ ، والغوص على المعاني السّداد ، والتخلّص إلى إظهار ما في الضّمائر بأسهل القول ، والتمييز بين الحجّة والشّبهة وبين المفرد والمشترك ، وبين المقصور والمبسوط ، وبين ما يحتمل التأويل ممّا لا يحتمله ، وبين السّليم والمعتلّ . فبارك اللّه لهم فيما أعطاهم ورزقهم الشّكر على ما خوّلهم ، وجعل ذلك موصولا بالسّلامة ، وبما خطّ لهم من السّعادة ، إنّه سميع قريب ، فعّال لما يريد .