[ 5 - مزايا أبي الفرج ]
فصل منها : وأنتم قوم تقدّمتم بابتناء المكارم في حال المهلة ، وأخذتم لأنفسكم فيها بالثّقة على مقادير ما مكّنتم الأواخيّ ، ومددتم الأطناب ، وثبتتم القواعد . ولذلك قال الأوّل :
عزمت على إقامة ذي صباح * لأمر ما يسوّد من يسود
وأبو الفرج - أعزّه اللّه - فتى العسكرين ، وأديب المصرين . جمع أريحيّة الشباب ، ونجابة الكهول ، ومحبّة السّادة ، وبهاء القادة وأخلاق الأدباء ، ورشاقة عقول الكتّاب والتّغلغل إلى دقائق الصّواب ، والحلاوة في الصّدور ، والمهابة في العيون ، والتقدّم في الصّناعة ، والسّبق عند المحاورة ، شقيق أبيه وشبه جدّه ، حذو النّعل بالنّعل ، والقذّة بالقذّة لم يتأخّر عنهما إلّا فيما لا يجوز أن يتقدّمهما فيه ، ولم يقصّر عن شأوهما إلّا بقدر ما قصّرا عن سنخهما وهم وإن قصّروا عن مدى آبائهم ، وعن غايات أوائلهم ، فلم يقصّروا عن جلّة الرّؤساء ، وأهل السّوابق من الكبراء ، ولست ترى تاليهم إلّا سابقا ، ومصلّيهم إلّا للغاية مجاوزا . ليس فيهم سكّيت ولا مبهور ولا منقطع ، قد نقّحت أعراقهم من الإقراف والهجنة ، ومن الشّوب ولؤم العجمة .
ومتى عاينت أبا الفرج وكماله ، ورأيت ديباجته وجماله ، علمت أنّه لم يكن في ضرائبهم وقديم نجلهم ، خارجيّ النّسب ، ولا مجهول المركّب ، ولا بهيم مصمت ، ولا كثير الأوضاح مغرب ، بل لا ترى إلّا كلّ أغرّ محجّل ، وكل ضخم المحزم هيكل .
إنّي لست أخبر عن الموتى ولا استشهد الغيب ، ولا أستدلّ بالمختلف فيه ولا الغامض الذي تعظم المئونة في تعرّفه ، والشّاهد لقولي يلوح في