تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 411

مساهمون:

ص٤١١
الغباوة أفطن ، والرديّ أجود ، والأنوك أحزم ، والمضيّع أحكم . إذ كان غرضه الذي إيّاه يرمي ، وغايته التي إليها يجري ، الانتفاع بالمعنى المتخيّر دون المباهاة باللّفظ ، وإنّما كان غايته إيصال المعنى إلى القلب دون نصيب السّمع من اللفظ المونق أو المعنى المتخيّر ، بل ربّما لم يرض باللّفظ السّليم حتّى يسقمه ليقع العجز موقع القوّة ، ويعرض العيّ في محلّ البلاغة . إذا كان حقّ ذلك المكان اللّفظ الدّون ، والمعنى الغفل . هذا إذا كان صاحب القصّة ومؤلّف لفظ المحل والسّعاية ، ممّن يتصرّف قلمه ، ويعلّل لسانه ، ويلتزق في مذاهبه ، ويكون في سعة وحلّ لأن يحطّ نفسه إلى طبقة الذّلّ وهو عزيز ، ومحلّ العيّ وهو بليغ ، ويتحوّل في هيئة المظلوم وهو ظالم ، ويمكنه تصوير الباطل في صورة الحقّ ، وستر العيوب بزخرف القول ، وإذا شاء طفا ، وإذا شاء رسب ، وإذا شاء أخرجه غفلا صحيحا . وما أكثر من لا يحسن إلّا الجيّد ، فإن طلب الردىّ جاوزه . كما أنّه ما أكثر من لا يستطيع إلا الردىّ ، فإن طلب الجيّد قصّر عنه . وليس كلّ بليغ يكون بذلك الطّباع ، وميسّر الأداة وموسّعا عليه في تصريف اللّسان ، وممنونا عليه في تحويل القلم . وما أكثر من البصراء من يحكي العميان ، ويحوّل لسانه إلى صورة لفظ الفأفاء بما لا يبلغه الفأفاء ولا يحسنه التّمتام . وقد نجد من هو أبسط لسانا وأبلغ قلما ، لا يستطيع مجاوزة ما يشركه ، والخروج مما قصّر عنه . فصل منه : ولولا الحدود المحصّلة والأقسام المعدّلة ، لكانت الأمور سدى ، والتّدابير مهملة ، ولكانت عورة الحكيم بادية ، ولاختلطت السافلة بالعالية .
رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 411 | الجاحظ / علي أبو ملحم