لم يبلغ درايته ، ولم يحط به علمه ، ثم ينسيه جهله الطّعن الذي تقدّم منه فيها ، ويحمله نوكه على استعمال معانيها وألفاظها ، في كتبه إلى إخوانه وأعوانه الذين شهدوه في أوان طعنه عليها ، وحين ثلبه لها .
[ 7 - بعض الكتاب يسرقون كتب الجاحظ أو قسما منها ]
وقد عرفت حقيقة ما قال يحيى بن خالد بالتّجربة والابتلاء . وإنّي ربّما ألّفت الكتاب المحكم المتقن في الدّين والفقه ، والرسائل والسّيرة ، والخطب والخراج والأحكام ، وسائر فنون الحكمة ، وأنسبه إلى نفسي ، فيتواطأ على الطّعن فيه جماعة من أهل العلم ، بالحسد المركّب فيهم ، وهم يعرفون براعته ونصاعته . وأكثر ما يكون هذا منهم إذا كان الكتاب مؤلّفا لملك معه المقدرة على التقديم والتأخير ، والحطّ والرّفع ، [ والترغيب ] والترهيب ، فإنّهم يهتاجون عند ذلك اهتياج الإبل المغتلمة ، فإن أمكنتهم حيلة في إسقاط ذلك الكتاب عند السيّد الذي ألّف له فهو الذي قصدوه وأرادوه ، وإن كان السيّد المؤلّف فيه الكتاب نحريرا نقابا ، ونقريسا بليغا ، وحاذقا فطنا ، وأعجزتهم الحيلة ، سرقوا معاني ذلك الكتاب وألّفوا من أعراضه وحواشيه كتابا ، وأهدوه إلى ملك آخر ، ومتّوا إليه به ، وهم قد ذمّوه وثلبوه لمّا رأوه منسوبا إليّ ، وموسوما بي .
[ 8 - الجاحظ ينحل كتبه غيره لتروج ]
وربّما ألّفت الكتاب الذي هو دونه في معانيه وألفاظه ، فأترجمه باسم غيري ، وأحيله على من تقدّمني عصره مثل ابن المقفّع والخليل ، وسلم صاحب بيت الحكمة ، ويحيى بن خالد ، والعتّابيّ ، ومن أشبه هؤلاء من مؤلّفي الكتب ، فيأتيني أولئك القوم بأعيانهم الطاعنون على الكتاب الذي كان