تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
وعلم أنّه قد حكم من غير استبراء ، وقضى بغير رويّة ، فسقط عنه وبطل . والحاسد العارف الذي فيه تقيّة ومعه مسكة ، وبه طعم أو حياة ، إذا أراد أن يغتال الكتاب ويحتال في إسقاطه ، تصفّح أوراقه ووقف على حدوده ومفاصله ، وردّد فيه بصره وراجع فكره ، وأظهر عند السيّد الذي هو بحضرته وجلسائه ، من التثبّت والتأنّي حبالة يقتنص بها قلوبهم ، وسببا يسترعي به ألبابهم ، وسلّما يرتقي به إلى مراده منهم ، وبساطا يفرش عليه مصارع الخدع . فيوهم به القصد إلى الحقّ والاجتباء له . فربّما استرعى بهذه المخاتل والخدع قلب السيّد الحازم . فمن أعظم البلايا وأكبر المصائب على مؤلّفي الكتب إذا كان العارض لها على السيّد الذي منه ترجى أثمانها ، وعنده تنفق بضائع أهلها ، على هذه الصّفة التي وصفتها من الحسد والحذق بأسبابه ، والمعرفة بالوجوه التي تثلم المحسود وتهدّه ، وتضع منه ومن كتبه : لا سيما إن كان مع استبطان الحسد واستعمال الدهاء والذّكاء جليسا لازما ، وتابعا لا يفارق ، ومحدّثا لا يريم ، وليست له رعة تحجره عن الباطل ، ولا معه حذر يبعثه على الفكر في العواقب ؛ فإنّ هذا ربّما وافق فترة السيّد بطول ترداد الكلام ، وكثرة تكراره عليه ، من تأكيد خطائه ، ونصرته قوله ، وذياده عنه ، واحتجاجه فيه ، فيؤثّر في قلبه ، ويضجّع رأيه . فليس للسيّد الذي يحبّ أن تصير إليه الأمور على حقائقها ، وتصوّر له الأشياء على هيئاتها ، حيلة في ذلك إلّا حسم مادّة هذا من أهل الحسد ، بالإعراض عنهم ، والاحتجاز دونهم . وربّما بلغ من الحاسد جهد الحسد إذا لم يعمل بشهوته ، ولم تنفذ سهام لطائفه ، أن يقرّ على نفسه بالخطإ ، ويعترف أنّ الطّعن الذي كان منه في الكتاب عن سهو وغفلة ، وأنّه لم يكن بلغ منه في الاستقصاء ما أراد ، وكان مشغول الفكر مقسّم الذهن ، فلمّا فرغ له ذهنه وانفرد له همّه راجع ما